يدخل “علي” التلميذ القروي الجديد – النازح من أعلى قمم جبال ازيلال الخالدة والتي تطل بكبرياء وصمود على سهول تادلة الرائعة – إلى مطعم ثانوية ابن سينا ,ولأول مرة يرى , ما لم يكن يخطر على باله : موائد كبيرة مستديرة الشكل , يحيط بها ثمانية داخليين , شاءت الأقدار أن تجمعهم لتناول وجبات الأكل , طيلة سنوات الرصاص وقمع الحريات من اجل التعبير عن الرأي و…وكم اثر هذا المنظر في ذهن وذاكرة هذا القروي البسيط , فكلما سافر إلى بني ملال , إلا وقد أحس وكأنه متجه إلى هذا القسم الداخلي الذي تغير اليوم إلى مرفق مهم من مرافق ” مقتصدية التربية والتعليم ” وحبذا لو كانت مقصدا ومتحفا تاريخيا يزوره هؤلاء الذين أصبحوا من أهم رجالات ونساء هذه الثانوية النموذجية والتي لازالت تحمل مشعل الريادة بجهة تادلة ازيلال . وكثيرا ما خاطب نفسه , وهو بعيد كل البعد عن هذه المؤسسة التي كانت تستقبله وتحتضنه كأم حنون : حبذا لو أقامت مهرجانا سنويا تجمع فيه كل التلاميذ القدماء من اجل إحياء ذكريات الماضي الذهبي النفيس لزيارة مراقدها التي تسمى انذاك بمرقد : الصين ( (LACHINEنظرا لكثرة اكتظاظ الداخليين فيه. ومرقد سويسرا ((LA SUISSE, نظرا للهدوء والجمال السائدين فيه ….
كانت الموائد المملوءة بالأطعمة المتنوعة , تجلب شهية الداخليين , وبما أننا في بداية الدخول المدرسي , فقد كانت هذه الموائد على شكل نماذج قبلية , يعني ذلك انك تلاحظ الداخليين مصنفين حسب المناطق التي جاؤوا منها : هناك موائد خاصة مثلا بالآتين من زاوية الشيخ , وأخري خاصة بأبناء القصيبة , وسوق السبت أولاد النمة , وقصبة تادلة , وفي زاوية قريبة من المطبخ يوجد أبناء ازيلال … لازال يتذكر ذلك اليوم الأول الذي تناول فيه أول وجبة غذاء : وخاصة ذلك المناخ العام الداخلي الساحر والغريب , كان كل الداخليين في هرج ومرج , وكان رئيس المائدة ((CHEF DE TABLEكالربان الذي يقود الباخرة أو الطائرة ,ولا احد له الحق في التدخل أو الاحتجاج أثناء توزيع الأطعمة في أطباق الأكل أمام أعين كل الداخليين المحيطين بنفس المائدة . وبما أن الطابق الرئيسي هو السمك اللذيذ الموضوع على شكل دوائر : قام الطباخ بربط فم السمكة بذيلها , وأعطت شكلا دائريا تثيرا الذوق والشهية . اخذ رئيس المائدة كل الأسماك فوق نفس المائدة ووضعها متتابعة في صف مستقيم دخل صحن كبير , واخذ كأسا كبيرة من صنع فرنسي , وأدارها بقوة لكي يحدد اتجاه من سيتناول السمكة الاولى , ومن سيأخذ الثانية , وهكذا دواليك … ومن سوء حظ صاحبنا “علي” أن حصل بالترتيب على اصغر السمك , وأمام سخرية زملائه الداخليين الجالسين معه في نفس المائدة , قام واخذ السمكة الصغيرة في صحنه الزجاجي , واتجه إلى مدخل المطبخ الكبير الخاص بالمطعم , حيث يقف السيد الحارس العام للداخلية السيد : صالح أشباني , العظيم الذي سيبقى راسخا في ذاكرة كل الداخليين الذين عاصروا فترة تكليفه بمهمة الحراسة العامة للداخلية (سنعود إلى تخصيص مقالات عديدة إن شاء الله في حق هذا الرجل الهرم الخالد. ) يقف الداخلي الجديد حاملا صحنه الزجاجي وعليه سمكته الصغيرة , وهو ينظر إلى السيد الحارس العام في دهشة واستغراب . يتعجب المسؤول من صاحبنا , ثم يسأله مباشرة وبرقة وحنان : – مالك يا بني تنظر إلي في استغراب وتعجب ؟ . – هذه السمكة يا سيدي الحارس العام !!!. أي عيب بابني في سمكتك ؟ ( واخذ يقلبها ذات اليمين وذات الشمال ) . – إنها صغيرة جدا يا سيدي , وزملائي كلهم تناولوا سمكات كبيرات . – وماذا تريد أن نفعل لسمكتك ؟ صحيح إنها صغيرة , أتريد أن نردها إلى البحر لكي تنمو وتكبر ؟ . – ولكن يا سيدي لا يعقل أن أكل سمكة صغيرة وأصدقائي يتلذذون بسمكات اكبر بكثير من سمكتي – إن حظك ناتج عن دوران الكأس الزجاجية . كل اليوم السمكة الصغيرة والأسبوع المقبل ستتناول إن شاء الله السمكة الكبيرة !!! . ضحك صاحبنا من رأي السيد اشباني , ومنذ ذلك اليوم وهو يقدره ويحترمه كثيرا كباقي زملائه الداخليين بثانوية ابن سينا . ولما عاد للجلوس في مكانه وجد كل الأصدقاء في قهقهة وضحك متواصل من جراء دوران ألكاس الزجاجية التي تحدد نصيب كل الوجبات الغذائية الخاصة بهذه الفئة من المجتمع المغربي . ( يتبع) محمد همشة دار ولد زيدوح : 02/07/2012 .
المصدر: محمد همشة نشر في أزيلال أون لاين

