يتيح البحث الوطني حول الشباب الذي نشرته المندوبية السامية للتخطيط في يونيو من هذه السنة الوقوف على ثلاث توجهات أساسية:
التوجه الأول: وهو استمرار تبوء الدين المكانة الرئيسية سواء على مستوى المرجعية القيمية والثقافية أو على القناعات الموجهة للمعتقدات والسلوك، وقد وردت أرقام كثيرة تعزز هذا التوجه، من ذلك تأكيد غالبية الشباب المغاربة بأن الدين (24,1%) يعتبر من أهم الأمور في حياتهم، وأنه يأتي قبل الشغل وتقدم البلد، بل وقبل الدراسة، ومن ذلك أيضا إعلان ربع الشباب الذين أجريت عليهم الدراسة أنهم يتماهون مع الشخصيات الدينية أكثر من تماهيهم مع بقية الشخصيات الأخرى الفنية والرياضية. التوجه الثاني: وهو استمرار التوتر بين التوجهات القيمية والأخلاقية وبعض أنماط السلوكات: ويؤشر على ذلك المفارقة بين الاستناد إلى الدين كموجه للمعتقدات والسلوك حتى فيما يخص الرغبة في الزواج، إذ أعلن ثلث المستجوبين أنهم يقبلون على الزواج لأسباب دينية، وبين الممارسات الاجتماعية، إذ أظهر هذا البحث استمرار بروز بعض التحديات الأخلاقية التي تهدد التدين، حيث صرح 19 % من الشباب أنهم استهلكوا السجائر و8 % الكحول و5 % المخدرات مع استمرار التمايز بين نسب الرجال والنساء على هذا المستوى. التوجه الثالث: مركزية الاستقرار العائلي في حياة الشباب: وقد ظهر هذا التوجه من خلال العديد من الإجابات، منها ما يتعلق بتحديد أهمية العائلة في حياة الشباب (54,6 %)، ومنها ما يتعلق بتعليل السبب الدافع إلى الزواج، إذ أعلن ثلثا الشباب أن الزواج يشكل قيمة مرجعية وذلك لأسباب تتعلق بالاستقرار العائلي، ومنها ما يتعلق بحجم التخوفات التي يبديها الشباب من تزايد التدهور العائلي (45 % إجمالا) التوجه الرابع: وهو الخطر، ويتعلق باستمرار عدم الاهتمام بالشأن العام والسياسة، فعلى الرغم من أن أكثر من 50 في المائة من الشباب أعلنوا تحسن الممارسة الديمقراطية في المغرب، إلا أن المؤشرات التي أظهرها البحث الوطني عن اهتمام الشباب بالشأن العام لا تزال مقلقة، ف 1 % من الشباب فقط منخرط في حزب سياسي أو نقابة نشيطة، ولا يشارك منهم في اللقاءات التي تنظمها الأحزاب السياسية أو النقابات إلا 4 % ، ولا يشارك في الانتخابات منهم إلا 36 % بكيفية منتظمة و14 % بكيفية غير منتظمة. تكمن خطورة هذا التوجه في كون البحث الوطني أنجز بعد الربيع العربي الذي يفترض فيه أن يكون قد أحدث تحولا كبيرا في توجهات الشباب نحو الانخراط في الشأن العام، كما تكمن خطورته بالنظر إلى التحديات والأولويات والانشغالات التي عبر عنها الشباب، فغالبية الشباب 96 % يعتبرون أن أولوية أولوياتهم هي الشغل وتكافؤ الفرص في الولوج إليه، و أكثر من 80 في المائة أعلنوا أن الأولوية عندهم هي إصلاح التعليم أو تحسين الخدمات، فيما شكلت غلاء المعيشة والبطالة والانشغال الأكبر بالنسبة إليهم بما يفوق 70 في المائة. فبينما هم مغادرون للسياسة، تتعلق انشغالاتهم بالأساس بالسياسة الحكومية، مما يطرح سؤال الفعل الشبابي اتجاه هذه التحديات. القراءة التركيبية التي يمكن أن نقرأ بها هذه التوجهات الأربع في علاقة بالتحديات والانشغالات التي عبر عنها الشباب، أن الدين والتضامن العائلي لا يزالان يقومان بدور كبير في ضبط السلم الاجتماعي، لكن استمرار عزوف الشباب عن السياسة والشأن العام في ظل تنامي الانتظارات الاجتماعية الأساسية المتمثلة في الشغل وتحسين الخدمات، يؤشر على وجود تحديات مستقبلية قد تحد من دور الدين والتضامن العائلي في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي ما لم ينكب العمل الحكومي على الملف الاجتماعي ويستجيب لانشغالات الشباب خاصة ما يتعلق بتمتعها بالشغل والسكن اللائق، وما لم يتحمل الجميع مسؤوليته في الرفع من مستوى ثقة الشباب في المؤسسات السياسية ومن العملية الديمقراطية برمتها، وإدماج الشباب في الشأن العام.
المصدر: بلال التليدي نشر في التجديد

