هل بالفعل الرقص الشرقي أو الرقص العربي مخصص للنساء فقط؟ سؤال يطرح عادة بالنسبة للرجل الراقص… في مجتمع ذكوري مائة بالمائة ينبذ “الرجل الأنثوي” بجميع أشكال اختلاف هذا الأخير عن “الرجل العادي”، “الرجل القوي”، “رجل الدار ” و”رجل العائلة”.
إن الرجل العربي يرقص، ولكن رقصة الرجال تقليدية وتاريخية وتشرح معاني ومضامين حرب أو نزاع مسلح في غالب الأحيان، مثال ذلك “رقصة العصي” التي توزع على العالم العربي مع تغييرات في الكوريكرافيا حسب كل منطقة وحسب ثقافة الزمان والمكان الموجودة فيهما. إن الرجل العربي كغيره من الرجال يحب أن يرقص . ولكن هناك نوع من الرجال يحبون أن يرقصوا كالنساء، إنه بالفعل محير وممتع وفي بعض الأحيان مقرف حسب بعضهم… إنها مسألة ذوق وحب. إن الرجل الذي يرقص مثل المرأة يتقن رقصه، وفي بعض الأحيان يتفوق على المرأة في رقصها. ويعتبر المحللين بأن الرقص الرجالي/النسائي معروف ومعرف لأنه يزداد لمعانه بازدياد التكلم عليه ومصاحبته إعلاميا زيادة على اللازم. إن التحليل العلمي لهذه الظاهرة ينقسم إلى قسمين أولا هناك مغالطات وهفوات وتغييرات جينية منذ الولادة تؤدي إلى التوجه الأنوثي للرجل، لا مفر منها لأن هناك معضلة جينية وعضوية داخلية تؤدي إلى هذه التغيرات الخارجية. مثل: الحركات والمشي والكلام. أما القسم الأكبر فالكل يعلم أن “الإنسان المذكر” يحمل في طياته شيئا من الذكورة وبعضا من الأنوثة، التي قد تبرز حسب المعايير والمقاييس والظروف المجتمعية والثقافية والدينية وكذلك اللحظية المرتبطة بحدث ما. فبين فترة وأخرى ترى “الرجل” الوقور يرقص ويغني ويعبر بجسمه عن حالة تغذيها وتزيد من بروزها إيقاعات موسيقية مضبوطة. وفي هذه تبرز كذلك لحظات قوة وحيوية مخزونة داخل كل إنسان منا، ربما هي في نفس الوقت تعبير بسيكولوجي وتنفيس عن ألم نفسي وإخراج لكبت متمكن من الجسم. والمغرب أرض اللغات وأرض الاختلاف وأرض التقاطع والتلاقح، يزخر بالعديد من الرقصات الشعبية والفلكلورية والثقافية المختصة بكل زمان وفي كل مكان من مناطق المغرب الشاسعة. ورقصات الرجال/ النسائية معروفة منذ القدم. فهذا الرجل الراقص المرتدي للباس النساء، كان يمتعنا ويجعلنا نضع عدة تساؤلات عن ماهية وكيفية وسبب… المشكل… لأنه في نظرنا ونحن صغار أن هناك مشكل، أن هناك اختلاف… والذي يزيد من رسوخ وثبوت الاختلاف هو نقاب الرجل… إنه يزيد الرقصة جمالا وانسجاما وتناسقا و… ولكنه يعطي للراقص صفة المجهول والغريب وربما السخط وعدم الرضا على عمله و”الحشومة/العار” من كشف نفسه. وهذا ما أبرزه المخرج عبد الإله الجوهري في فيلمه “الراقص…ة” إنه يتكلم عن شخصية معروفة في المغرب منذ القدم إنه يتكلم عن رجل “رقاص” و “شطاح” و “المرافق للسويرتي”، عن إنسان يعيش فنه وحلمه وحياته عبر عمله وعبر معيشته اليومية مع عائلته وزوجته وبناته ومشاكله التي يواجهها أمام الناس ووسط مجتمع ذكوري لا يرحم المظاهر الشاذة والخارجة عن المعترف به. وأجاب عن سؤال طرحته عليه: إن الرجال يحبون الرقص ولكنهم يكرهون الراقصين !!! إن الفيلم رحلة في مراكش وجامع الفنا مع إنسان عبر دهاليز المدينة القديمة وعبر مغاويرها. إنها رحلة مع راقص يؤمن بفنه ويؤمن بعمله الذي هو مصدر رزقه ورزق أولاده. وهو الذي امتهن هذا العمل منذ صغر سنه. وتمكن بعمله هذا أن يعيش عيشا كريما ويؤدي واجب كرائه للمنزل والمأكل والملبس ومصاريف المدرسة… إن الزوجة محبة لزوجها، وعاشت كذلك المر من طرف عائلتها بسبب زواجها من الرجل/المرأة. إن الزوجة تتكلم عن مشاكل وطابوهات مهمة، مثل المعيشة مع الجيران والإشاعة التي تحكم المجتمع بأن هذا الإنسان ليس “رجلا” وتتكلم عن علاقتها العاطفية والجنسية التي تعتبرها عادية وأتت أكلها بإنجاب بنتين والحمل الثالث في الطريق. إن تدخل البنت الصغرى يشعرك بجسامة الحمل الذي يثقل كاهليها الصغيرين. إن الفيلم رحلة بجانب هذا الإنسان مع زوجته وبنتيه عبر فن الحلقة وروادها والنظرة المتناقضة التي يطلقها المجتمع على هذه الشريحة فكل المغاربة يحبون الرقص وربما يكرهون “الرقاص الرجل/المرأة”. فترى الناس متجمهرين متمتعين من جميع الأعمار ومن جميع الجنسيات، نساء و رجالا ومن كل الثقافات. إن عزيز، شخصية الفيلم، يعتبر الرقص عملا كاملا، وحرفة ككل الحرف، مع أدوات عمله مكونة من اللباس/القفطان والشبشب والنقاب والتاج، ويعتز بهذا العمل، ويعتبر بأن هذا قدره. ربما في حديثه يشعر بالنقص ويحمل والدته أمره ولكنه يستسلم إلى قدره ويرضى به. إن هروب وجهه، في الأخير، من الكاميرا وعدم إظهار دموعه للناس وللمجتمع لدليل على ذلك. الفيلم من تصوير فاضل أشويكة سيناريو وإخراج عبد الإله الجوهري الدكتور بوشعيب المسعودي خاص ب: ”الفوانيس السينمائية” نرجو التفضل بذكر المصدر والكاتب عند الاستفادة
المصدر: بوشعيب المسعودي نشر في الفوانيس السينمائية

