ما هي قراءتكم الإجمالية لنتائج الانتخابات التشريعية الجزائرية؟
●● إذا استبعدنا الأطروحة التي تظهر أن الإنتخابات التشريعية الجزائرية تعرضت نتائجها إلى التلاعب والتزوير، يمكن الإشارة إلى قراءتين أساسيتين لتفسير نتائج الانتخابات: القراءة الأولى، أن الشعب الجزائري فضل الحفاظ على نوع من المكاسب التي حققها في ظل حكم الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، ونحن نعلم أن الجزائر عاشت حربا أهلية في تسعينيات القرن الماضي، والرئيس الحالي منذ سنة 1999 أنتج سياسة المصالحة والوئام المدني، ونتيجة ما شهدته بعض الدول العربية إبان «الربيع العربي» من اضطرابات وغياب للاستقرار، ربما الكتلة الناخبة في الجزائر حاولت أن تحافظ على الوضع الراهن، ولذلك بإعادة تجديد الثقة في الحزبين الرئيسيين الذين يقودان البلاد، وهما حزب جبهة التحرير وحزب التجمع الوطني الديمقراطي. القراءة الثانية، أن النتائج الحالية يمكن ربطها بالأخطاء التي ارتكبتها القوى الممثلة للحركة الإسلامية، نحن نعلم أن جزء من مكونات الحركة ساهم في تدبير الشأن الحكومي منذ تسعينات القرن الماضي، ودخل في صراعات مع مكونات إسلامية أخرى، إضافة إلى التشرذم الذي تعيشه بفعل انقسامات كثيرة في صفوفها، ومن مؤشرات هذا التشرذم هو مشاركة سبعة أحزاب إسلامية، وأن عبد الله جاب الله الذي يقود حزب جبهة العدالة والتنمية هو الذي كان يرأس في البداية حركة النهضة قبل أن يطرد ليؤسس حزبا إسلاميا آخر هو حزب الإصلاح الوطني ليغادره بعدها ويؤسس جبهة العدالة والتنمية. كما أن حركة مجتمع السلم التي شكلت تكتلا يضم ثلاثة أحزاب إسلامية، تعرضت نفسها إلى انشقاق تشكل إثره حزب آخر هو حزب التغيير، بمعنى هناك من يرجع النتائج التي حصلت عليها القوى الإسلامية إلى الأخطاء التي ارتكبتها. ما هو تأثير النتائج المعلنة على العلاقات الجزائرية المغربية في المستقبل، خاصة فيما يتعلق ببعض القضايا الشائكة بين البلدين في مقدمتها الحدود والوحدة الترابية للمغرب ومحاربة الإرهاب؟ ●● على الأقل كان الكثير من المتتبعين ينظر على أن موجة التغيير التي شهدتها بعض الدول العربية يمكن أن تصل إلى الجزائر ، لكن يبدو أن الائتلاف الحاكم المكون أساسا من جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي هو الذي يحصل على أغلبية مطلقة، وهذا يؤشر على استمرار الخيارات التي كانت منتهجة. لذلك لا يعتقد أن تكون هناك تغييرات تطال مواقف الجزائر اتجاه قضية الصحراء المغربية، رغم أن المغرب حاول أن يفتح صفحة جديدة مع الجزائر بعد تشكيل حكومة بقيادة حزب العدالة والتنمية، تجلى ذلك من خلال عدد من الزيارات في مقدمتها زيارة وزير الخارجية والتعاون سعد الدين العثماني، لكن يظهر أن هناك ثوابت تحكم السياسة الخارجية الجزائرية ترتكز أساسا على مناهضة الحق المغربي في استكمال وحدته الترابية، لذلك لا يمكن -كما قلت- في إطار التطورات الحالية أن نتفاءل من تغيير مواقف الجزائر من قضايا المغرب. أما فيما يتعلق بملف الإرهاب، هناك تحولات تعرفها المنطقة المغاربية وكذلك منطقة الساحل جنوب الصحراء، خاصة بعد سقوط نظام القذافي ووصول الأسلحة إلى مجموعات سواء كانت ذات توجه انفصالي أو توجه ديني، أعتقد أن كل هذه المستجدات تدفع الجزائر إلى إعادة النظر في خياراتها من إقصاء المغرب من أي مشاركة، على مستوى مواجهة الحركات الإرهابية في المغرب الإسلامي، والجزائر ستكون ملزمة بدون شك إلى التراجع عن سياساتها تحت الضغط الغربي، ولا يمكن للجزائر أن تنفرد باتخاذ القرار وحدها في مواجهة الإرهاب. ما هو مستقبل الوحدة المغاربية في ظل حكومة من المتوقع تشكيلها من حزب جبهة التحرير وحليفه التجمع الوطني الديمقراطي؟ ●● تصويت الجزائريين على الحزبين اللذين يشكلان التحالف الحاكم لن يؤدي إلى تغيير في السياسة المغاربية للجزائر، كان هناك أمل أن يتم التعامل مع ملف اتحاد مغاربي من منظور جديد خاصة بعد موجة الربيع العربي التي أفضت إلى تغيير النظام في تونس وكذلك إلى إسقاط نظام القذافي، وظهور قيادات جديدة في المنطقة تعبر عن ضرورة إعادة بناء وتفعيل الاتحاد المغاربي خاصة ما عبر عنه الرئيس التونسي المؤقت المنصف المرزوقي، لكن الجزائر يبدو أنها مصرة على أن تربط بناء الاتحاد المغاربي بإيجاد حل للنزاع في الصحراء المغربية، ومع الأسف الحل الذي تقترحه الجزائر يميل وينحاز إلى الأطروحة الانفصالية. لحد الآن، فالمعطيات الأولية تسير في اتجاه تقوية موقع الحزب الحاكم، فحتى الخميس الماضي كان التحالف الحاكم مضطرا إلى الاستعانة بخدمات حزب حركة مجتمع السلم، أما الآن فبدون شك سيبعد الحركة لينفرد باتخاذ القرار والانفراد بالسلطة مع حزب التجمع الوطني الديمقراطي، مما يؤكد الاستمرارية في السياسة المغاربية للجزائر بما يفيد أنه ينبغي انتظار مزيد من الوقت لكي تغير القناعات حول إمكانية إعادة بناء هذا الاتحاد المغاربي.
المصدر: التجديد نشر في التجديد

