شكلت الانتخابات الفرنسية التي أخرجت نيكولا ساركوزي من قصر الإليزي مستوى راق من العمل السياسي، وفي إطار من الديمقراطية الحقيقية، وفي ذروة الصراع السياسي ومحاولة استمالة الناخبين الفرنسيين، كانت الثقافة السياسية لجميع الأحزاب السياسية حاضرة، إذ أن الخصوم تصارعوا داخل المعترك السياسي، وأخرج كل واحد منهم أسلحته، بل وصل الأمر حد الضرب تحت الحزام، لكن في كل مراحل السباق الرئاسي كانت
فرنسا
حاضرة. وقد وصلت الثقافة السياسية أوجها بعد إعلام النتائج، حين توجه فرانسوا هولاند الرئيس المنتخب بأقل من 52 في المائة من الأصوات، بكلمة إلى الشعب الفرنسي قال فيها “إنني سأكون رئيسا لكل الفرنسيين” وعبر عن احترامه لقناعات كل من لم يصوت له في الانتخابات، وأكد هولاند أنه سيلتزم بكل الوعود التي قدمها، مشيرا إلى أن أول واجب لرئيس الجمهورية هو إشراك كل مواطن في العمل من أجل رفع التحديات. في المقابل تحدث ساركوزي عن المستقبل ملمحا إلى انسحابه من الحياة السياسية، وقال ساركوزي إن “حقبة أخرى تبدأ، في هذه الحقبة
الجديدة
سأبقى واحدا منكم شخصا تستطيعون الاعتماد عليه للدفاع عن أفكارنا وقناعاتنا لكن موقعي لا يمكن أن يبقى كما هو… والتزامي سيكون مختلفا”، وأضاف “بعد 35 عاما في العمل السياسي وعشر سنوات في أعلى مستويات المسؤولية السياسية وخمس سنوات على رأس الدولة فإن التزامي سيكون من الآن فصاعدا مختلفا”، قبل أن يضيف، أنه “سيعود فرنسيا ليعيش بين الفرنسيين”. هذا التفوق السياسي، والفكر الراقي الذي عبر عنه كل من هولاند وساركوزي هو ما يلزمنا في المغرب، حيث إن عبد الإله بنكيران، وفور الإعلان عن فوز حزبه العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة، أعلن أمام الملأ أن حزب الأصالة والمعاصرة خط أحمر، وأنه مستعد للتحالف مع حزب التجمع الوطني للأحرار في حال طرد صلاح الدين مزوار، وذهب أبعد من ذلك حين أقنع عزيز أخنوش بالالتحاق بحكومته ومغادرة حزب الحمامة، ليقصي بذلك ملايين المغاربة الذين صوتوا على الحزبين معا، ويتحول إلى المزايدة السياسية، التي خلقت نوعا من التنابز والتنافر بين المواطنين. هذا الأسلوب في العمل السياسي، هو ما يميز بين
فرنسا
كدولة عظمى تملك حق الفيتو في مجلس الأمن، والمغرب حيث سياسة الإقصاء مازالت حاضرة وبقوة، وتؤكد على غياب النضج السياسي، وعلى غياب ثقافة الحوار والصراع الذي يجب أن يكون لمصلحة الشعب. وقال مهتمون بالشأن السياسي، إن هولاند لم يعد اشتراكيا، بل هو رئيس
فرنسا
وسينزع قبعة الحزب الذي حمله إلى الانتخابات طيلة مدة انتدابه، وهو الأمر نفسه الذي حصل مع ساركوزي الذي ظل رئيسا لكل
فرنسا
قبل أن يلبس قبعة حزبه في الانتخابات الأخيرة، ويعود إلى حياته العادية بين الفرنسيين، لكن الرئيسان معا لا يمارسان الشعبوية، لأنهما معا يؤمنان بأن الممارسة السياسية هي وسيلة فقط لخدمة بلديهما، وليس وسيلة لخدمة أغراض حزبية ضيقة، تماما كما يحدث مع عبد الإله بنكيران، الذي تعود على توجيه الرسائل إلى من يهمهم الأمر من خلال تجمعات حزبية ضيقة كما حصل خلال فاتح ماي، حيث فضل رئيس الحكومة أن يبعث رسائل إلى عدد من خصومه، وكذلك تهديدات إلى جرائد بعينها رفضت الدخول في تحالف “الطبالجيا”، فيما أقصى باقي النقابات، ولبس قبعة نقابة حزبه. هذا السلوك السياسي النفعي يؤكد أن الأحزاب المغربية لم تتجرد بعد من الذاتية والأنا، مع أن بنكيران الذي صوت عليه مليون ونيف مغربي، تحول إلى مدافع عن جهة معينة، وأقصى باقي الجهات، بل إنه تنكر حتى للأطر العليا المعطلة الذين استعلملهم كورقة انتخابية قبل الإطاحة بهم. لقد وجه الفرنسيون دروسا قيمة للمغاربة، وأكدوا أن الديمقراطية ليست مجرد فصول وبنود معتمدة في الدستور، ولكنه ممارسة يومية، وحياة يعيشها الفرد في منزله وفي عمله، وداخل الحزب، لتعطي في نهاية المطاف نقاشا سياسيا رفيعا المستوى، هو ما يحتاجه اليوم بنكيران ورفاقه في الحكومة، الذين عليهم أن يفهموا الآن هناك دائما حد فاصل بين الحزب والدولة.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

