ظن حزب العدالة والتنمية أنه أصبح يتوفر على ما يكفي من القوة لغزو المجتمع وتمرير مشروعه الإيديولوجي بعد فشل برنامجه الانتخابي، لكن وقع له مثلما وقع الذي يرى العشب ولا يرى الحافة، فكثير من الأمور جعلته يعتقد بأنه يتوفر على كامل الأسلحة لمواجهة الجميع ومنها حصوله على الرتبة الأولى وبعدد من المقاعد فاقت المرتب ثانيا، وتمكنه من تشكيل تحالف حكومي حتى من أحزاب كان يعتقد أنها عدوة له. ومما زاده استقواء وبدأ في فتل عضلاته وأوهمه بتجريب حظه هو تمرير قانون المالية حيث أدرك أن النقاشات لم تكن من العمق بما يكفي لإسقاط الميزانية، وبعد تمرير قانون المالية ظن أن الوقت قد حان لتمرير مشروعه الإيديولوجي. ولما اعتقد الحزب أن الفرصة مواتية للغزو أعطى أوامره لمصطفى الخلفي، وزير الاتصال، للبدء من هذه القلعة على أساس فتح قلاع أخرى، حيث أنجز الخلفي وفي مدة قياسية دفاتر التحملات دون نقاش مع الفاعلين ودون أن تمر على المجلس الحكومي وبدأ في تنفيذها رغم ما تحمله من خطورة كبيرة لأنها تتعلق بشؤون استراتيجية ترهن المغرب لسنوات طويلة، شؤون تتعلق بثقافة المغرب وتاريخه وتدين المغاربة المقصود بالاختراق السلفي. فلماذا اختار حزب العدالة والتنمية الإعلام العمومي للشروع في تنفيذ خطته؟ لقد شكل الإعلام دائما الحلقة الأولى والأهم في الانقلابات، فالعسكر يلجأ للسيطرة على الإعلام قبل أن يشرع في احتلال المؤسسات، فهل هي بداية الانقلاب غير العسكري للبيجيدي؟ إن الإعلام العمومي هو الذي يدخل كل البيوت دون استئذان، وهو الذي يعول عليه في توجيه الرأي العام وبعث الرسائل والتعبئة الوطنية. غير أن الإعلام هو سيف ذو حدين. قد يكون عليك وقد يكون معك. فالإعلام قد يكون لمصلحة الشعب ويقدم خدمة عامة وقد يتحول إلى بوق من أبواق حزب أو تيار، ولهذا تجد دفاتر التحملات معارضة قوية من قبل شرائح مهمة من المجتمع. فنسبة المشاهدة التي حققتها القناة الثانية مهمة، دون أن ننسى أن بالقناة اختلالات ينبغي علاجها، وهذه النسبة أكثر بكثير من عدد الناخبين الذين أوصلوا حزب العدالة والتنمية لرئاسة الحكومة والذين لم يتجاوز عددهم مليون و80 ألف صوت. وبالنظر لشبكة البرامج التي سماها الخلفي دفاتر تحملات، فإن هناك احتقارا لنسبة المشاهدين دون مناقشة ما يرغب المشاهدون فيه وما لا يرغبون. لكن اللعبة انكشفت، فالخلفي الجالس في مكتبه الذي يتلقى من خلاله توجيهات القيادة الحزبية والدعوية، يريد أن يتحكم في فرجة المغاربة ومن تم التحكم في توجيههم وفي عقولهم وتمرير مشروعه الإيديولوجي الذي أكدنا أكثر من مرة أنه لا ينسجم مع معتقدات المغاربة، يريد أن يدخل جميع البيوت ودون استئذان. مرحبا بك في بيوتنا لكن بعد أن تستأذن وتسلم على أهل
الدار
. وقد عودتنا مجموعة بنكيران على أن تحني الرأس في انتظار أن تسنح الفرصة للتوغل جدا. واليوم الفرصة مواتية للانقضاض على ثقافة المغاربة وضرب عناصر الانفتاح فيها وجرها نحو هاوية الانغلاق.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

