تساءلت في ختام الكلمة السابقة عن الخيال الذي يقدر الديموقراطيون الحداثيون على بنائه في مواجهة المحافظين والتوجه به إلى المغاربة.
إنه خيال الحريات والاستماتة في الدفاع عن المكتسبات والتمسك بالاستمرار في الانفتاح على العالَم المعاصر والوجود فيه. لهذا الخيال صلة بمفهوم معين للزمان يناقض مفهوم المحافظين. إنه الزمان العالَمي في مواجهة «زمان» نكوصي، يحلم دعاته بإعادة إحياء الماضي. يتعلق الأمر، إذن، بالصراع بين زمانين. زمان سلفي وزمان حاضر ومنفتح على المستقبل. الزمان السلفي يوجد خارج إيقاع الزمان المعاصر، ويراهن المحافظون على أن يعيدوا المغاربة للعيش فيه، ومعاكَسة إيقاع حركة الزمان والخروج بهم من الحاضر في اتجاه استعادة زمان ولى ومضى إلى غير رجعة. هذه هي معركتهم التي تقوم على تحريم الزمان المعاصر والكفر بمظاهره كما يعيشها الناس في العالَم، من خلال التضييق على نمط العيش العصري وممارساته الترويحية؛ وها هم يستثمرون وجودهم التداولي في الموقع التنفيذي لإبطال مظاهر الوجود في الزمان المعاصر. غرض المحافظين من ذلك الإبطال هو إلغاء العصر من حيث هو تعطيل لحُكْم الوقت الذي عليه المغاربة في معيشهم اليومي. يراهنون في مسعاهم على أن تكون نتيجة ذلك الإلغاء هي الخروج المباشر من الحاضر في اتجاه الماضي. هذه هي معركتهم. التقدم يقع في الماضي وليس في المستقبل! وهذا هو البرنامج الحقيقي للمحافظين وقد نجحوا في الوصول إلى الموقع التنفيذي. في مقابل هذه الردة والكفر بالحاضر، هناك زمان الحداثة والديموقراطية. زمان الآن هنا. إنه الزمان الطبيعي والمنطقي الذي لا يشذ عن حركة التقدم في اتجاه المستقبل. زمان الوجود مع البشر في العالم. إنه الوجود في الزمان المعاصر والإقبال على أشيائه والاندماج في ممارساته. بالتالي فمعركة المستقبل في المغرب تنطلق من تمسُّك الديموقراطيين الحداثيين بحق المغاربة في الوجود في الزمان المعاصر والاستمتاع بمظاهره ومزاياه كما يستمتع بها باقي البشر في العالَم الذي يحترم الإنسان وحقوقه. إنها معركة الرد على إخراج المغاربة من حكم الوقت، ووقت المغاربة ما هم فيه من عيش ومظاهر ذلك العيش. تكرار مفيد. معركة المستقبل هي معركة من أجل حب الحياة والاحتفاء اليومي بملذاتها، من خلال فتح جبهات الدفاع عن حق المغاربة في الاستمتاع بمظاهر الحياة العصرية ضدا على إرادة فقهاء الرسوم والتحجير، وحلمهم بقبْر المغاربة في تابوت زمان ولى إلى غير رجعة. جمال زايد
المصدر: شادية وغزو نشر في الأحداث المغربية

