بحلول 25 من هذا الشهر يناير يكون العام قد مضى على انبثاق الشعار الأكثر دويا في العالم في هذا الألفية الثالثة بلا منازع :الشعب يريد إسقاط النظام. شعار كان قد سبقه آخر ولكن بالفرنسية هذه المرة و في تونس المسروقة من نظاميها السابقين البورقيبي والبن علي المفرنسين:”ديكاج” والذي لا يعني سوى “ارحل ” بعبارة صريحة.
لو تأملنا الشعار/الجملة الشعب يريد إسقاط النظام لوجدنا انه يفتقر إلى صيغة الشعارات الرنانة ذات الأجراس الموسيقية التي تعودنا على إنشادها و ابتكارها وترديدها حسب اللحظة النضالية المعاشة. غير أن لا أحد سيعارض أن هذا الشعار بالذات صار الأكثر ترديدا في كل بلدان الربيع الديمقراطي. ولو كان أبناء الغرب يحسنون العربية ويتذوقون معانيها كما نفعل نحن بالفطرة ما تخلوا عن ترديده خلال مظاهراتهم أيضا. ما السحر في هذا الشعار؟ كيف تفتقت عبقرية الشعب المصري عليه؟ قديما كان يغيضني كلما سمعت أحد الإخوة المصريين وهو يتبجح بأن مصر هي أم الدنيا. اليوم أعترف للإخوة المصريين بأحقيتهم في الانتماء إلى أمهم التي أنجبتهم :مصر أرض الكنانة. فالعبقرية المصرية ظلت قائمة منذ أمد بعيد ،منذ أن سكن الفراعنة بلاد النيل العظيم فشيدوا فيها الأهرامات الخالدات. وناطحوا بها عنان السماء في هندسة حارت لها العقول . العبقرية ظلت راسخة في ارض الكنانة أيضا مذ وطئتها أولى طلائع الجيش الإسلامي ،لتتسلم بعدها القيادة في مسار الفتح المبين تجاه الغرب من القارة الإفريقية ولتدين بالإسلام جيلا بعد جيل وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ما علينا. وما كنا لنغرق في متاهات التاريخ القديم. فاللحظة الراهنة لها ما يغري من السحر. والربيع الديمقراطي انشد لحنه العذب :الشعب يريد إسقاط الفساد، الشعب يريد إسقاط النظام. كل الأنظمة العتيقة صارت تتهددها معزوفة الشعوب الجديدة ، ولازمة الثائرين من الرباط إلى اليمن السعيد . فالشعب هنا حسب اللسان العربي كلمة تعرب مبتدأ لا يقبل بأية حال من الأحوال غير وضعية الابتداء والانطلاق . فأما الذين أرادوا منه أن يصير في “خبرا” مرفوعا بعلامة الرفع الظاهرة في آخره فكانوا حتما واهمون وفي غفلة من أمرهم. إذ بالمنطق العربي الأصيل والنحو الواضح والفصيح يعد “الشعب “هنا مبتدأ في مقدمة الجملة، له من علامات الرفع ما يستطيع أن يرفع بها من فوق العروش من طال بهم المقام وتهالك فوقها حتى صار حرضا حسب أن لم يقدر عليه أحد ،وأن لن يجمع عظامه. حتى جاءه ” الشعب” في مقدمة الجملة ،في الشعار المدوي مبتدأ مرفوعا وقادرا في الآن نفسه على الرفع من على العروش المتهرئة من رآه خرقة بالية لا تصلح لشيء. وكان ذلك على الشعب يسيرا. . هذا المبتدأ في اللسان العربي الفصيح إذن وفي القاموس وعند العرب قديما وحديثا يستوجب “خبرا” يقينا يأتيه من جملته التفصيلة . خبرا مفردا أو جوابا بحزمة من الإجراءات الهامة التي ستصير “خبرا ” واضحا لمن يرغب في معرفة الخبر .لذا أتى الجواب في الشعار / السحر إرادة في التغيير.: الشعب يريد: إنها قوة الإرادة التي امتلكها إذن هذا الشعب لأجل في المفارقة مع الماضي البغيض. فلم يعد هذا الشعب ترهبه آلة القمع التي دأب حسني مبارك على استخدامها، ومن قبله بنعلي الذي أرعد وأزبد متوعدا الشعب التونسي المسالم، ثم فيما بعد القدافي الذي نعت الشعب الليبي الأبي بالجرذان . فالشعب استجمع القوة والعزة وقرر أن لن يركع ولن يترهب من الآن فصاعدا من آلات القمع حتى وإن كانت على شاكلة صناديق كالحة لونها، مقرف منظرها حتى لكأنك تخالها حين تصطدم بها عيناك آتية ، تخالها علب الموت الرهيب . بداخلها يتمترس شرطة لا يعلم الشعب المصري كيف دجنهم النظام حتى صارت أفئدتهم ممتلئة حقدا وكراهية على إخوتهم “الغلابا”. فلا تزال صور هؤلاء الشرطة المصريين عالقة في الأذهان في يوم الثلاثاء الدامي في 25 من يناير عام 2011 وهم يدهسون الشعب بتلك السيارات المرعبة فوق الجسر الرئيسي المفضي إلى ميدان التحرير ،أيقونة الشعب المصري وقلبه النظيف. رجال شرطة يضربون الناس بخراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع والخانقة للصدور من التنفس بسبب ما فيها من سموم لم يعرف أحد من المختصين مكوناتها ،حين كان تصميم المصريين بلوغ ميدان التحرير من أجل الاعتصام فيه حتى سقوط نظام مبارك..و الضحايا الذين سقطوا شهداء في ذلك اليوم وحده تجاوزوا 400 شهيدا. يومها تأكد للجميع أن نظام مبارك آيل للسقوط،لأن الشعار المرفوع في الجملة المعربة يتطلب خبرا للمبتدأ:الشعب. وبالتالي كان إسقاط النظامي هو المبتغى ، مفعول به منصوب ،وعلامة نصبه هروب حسني مبارك في هذا اليوم على متن طائرة عمودية إلى شرم الشيخ . مع ترك النظام في مهب الريح ليصير مضافا بعد حين إلى الزمن الماضي،وليصير في الآن نفسه خبرا لمبتدأ متربص به. واليوم وبعد سنة كاملة من الثورة المصرية وهبة الشعب المصري الأبي في ميدان التحرير والسويس والعريش والصعيد وفي كل ربوع الوطن الحبيب، على طول وعرض النيل العظيم ، اليوم، يستكمل الشعب المصري هذه الثورة بمحاكمة الفرعون ونجليه وأزلام نظامه المنهار. وفي نفس الوقت يرسي بناء صرح الديمقراطية من خلال إتمام إقامة الدولة الحديثة ، دولة المؤسسات ،بإجراء انتخابات حرة ونزيهة ولأول مرة في تاريخ مصر. وفي الأخير يسع المرء وهو يتأمل هذه النهاية المخجلة التي آل إليها الفرعون الأسير وهامانه إلا أن يستحضر الآية الكريمة العظيمة :(وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا،وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا) صدق اله العظيم..
المصدر: أحمد أولاد عيسى نشر في لكم

