سقوط نظام مبارك في مصر والهجوم على سفارة الكيان الإسرائيلي بالقاهرة، وخروج السوريين للشارع للمطالبة بتغيير النظام وإسقاطه، ووجود مطالب داخل الأردن بإعادة النظر في اتفاقية السلام مع الكيان المذكور، واتساع مجال تأثير الربيع الديمقراطي العربي، بالإضافة إلى الموقف التركي القوي من رفض حكومة نتنياهو الاعتذار عن الهجوم على سفينة مرمرة ضمن أسطول الحرية الذي وصل لحد طرد السفير الإسرائيلي وتجميد العلاقات العسكرية والسياسية وتخفيض التمثيل الدبلوماسي لأدنى مستوى.. كلها معطيات تدعو إلى أن يكون الموقف الأميركي من مسعى السلطة الفلسطينية لأجل اعتراف الأمم المتحدة بعضوية كاملة للدولة الفلسطينية على حدود 1967 غير الذي أعلنه الرئيس الأميركي باراك أوباما باعتزامه مواجهة هذا المسعى داخل مجلس الأمن بسلاح الفيتو.
فهل يمكن تفسير هذا الموقف فقط بقرب الانتخابات الرئاسية الأميركية وحرص أوباما على ترضية اللوبي اليهودي -الغاضب عليه أصلا- لكسب تأييده طمعا في ولاية رئاسية ثانية؟ أم أن هناك سببا آخر هو من تحكم في الموقف، ولماذا فشل الأوروبيون في توحيد موقفهم من مسعى، وطالب الرئيس الفرنسي بمنح فلسطين صفة مراقب مؤقتا على أساس انطلاق المفاوضات بين السلطة الفلسطينية والإسرائيليين في أمد زمني لا يتجاوز السنة كحل وسط؟ وهل يمكن اعتبار التصفيقات الحارة التي لقيها خطاب الرئيس محمود عباس أمام الدورة 66 للأمم المتحدة دليل تحول في الموقف الدولي من الصراع العربي الفلسطيني الإسرائيلي؟ أم هو مجرد تعاطف لا أقل ولا أكثر. أعتقد أنه موقف عاطفي فقط؛ لأن الموقف الأميركي والأوروبي بشكل عام الرافض لمطلب السلطة الفلسطينية المدعوم عربيا بالاعتراف بعضوية كاملة لفلسطين داخل الأمم المتحدة ، والمتمسك بكون المفاوضات هي السبيل للوصول لهذا الهدف يعكس حالة تخوف من الجو العام المهيمن في العالم العربي والإسلامي، الذي ينحو لأن تكون الكلمة فيه للشعوب، ولأن هذه الأخيرة مناصرة لحقوق الفلسطينيين على طول الخط فإنها لن تقبل باستمرار الظلم، وستضغط على الحكومات في اتجاه رفض كل الضغوط التي مورست من قبل وسمحت باستمرار عربدة الكيان الإسرائيلي بعدم احترامه لكل الاتفاقيات والقرارات الدولية، واستغلاله للمفاوضات في ربح الوقت دون أن يتراجع عن مخططاته قيد أنملة. وما سبق يطرح تحديات كبيرة على الإدارة الأميركية وعلى عدد من الدول الأوروبية المعروفة بدعمها للكيان الإسرائيلي، وينبئ بأنهم سيبذلون مجهودات كبيرة لأن يكونوا حاضرين بشكل ما في تشكيل السلطة الجديدة في مصر وتونس وليبيا على سبيل المثال، إما بدعم توجهات وشخصيات وربما يمارسون ضغوطا معينة مباشرة وغير مباشرة للحيلولة دون أن تكون الحكومات الجديدة حكومات تمثل إرداة الناخبين وصوت الشعوب خلافا للشعارات التي يرفعونها والقيم التي يزعمون أنهم يدعمونها، بمعنى آخر إنهم سيعملون على تحويل الربيع الديمقراطي لخريف تتساقط فيه أحلام الحرية والكرامة والديمقراطية واستقلال القرار السياسي والاقتصادي للدول العربية، ولئن تحقق هذا التوقع والسيناريو فسيكون كارثيا قياسا على وصف الكاتب الأميركي توماس فريدمان لاستخدام الإدارة الأميركية سلاح الفيتو ضد مسعى الاعتراف بعضوية دولة فلسطين الكاملة داخل الأمم المتحدة بكونه «قرارا كارثيا في هذا العالم العربي الذي يتجه سريعا نحو الحكم الذاتي الشعبي». وبغض النظر عن المخاطر التي تحيط بمسعى السلطة الفلسطينية المذكور، الذي وصفته صحيفة «نيويورك تايمز» في افتتاحية لها مؤخرا بأنه قد «يعود بنتائج عكسية وحالة إحباط للفلسطينيين عندما يكتشفون أن مناورة عباس في نيويورك لن تأتي بدولة فلسطينية على أرض الواقع»، فإنه قد كشف الموقف الحقيقي للإدارة الأميركية المتعصب للكيان الإسرائيلي لمن لم يعرفه بعد أو كانت تراوده بشأنه شكوك. وإذا كانت الصحيفة المذكورة قد أكدت أن «لا حل للقضية الفلسطينية دون وجود قيادة أميركية قوية» فإن الأمر ذاته ينطبق بكل تأكيد على الجانب الفلسطيني العربي، فلا حل للقضية الفلسطينية بدون قيادة فلسطينية قوية تمثل كل الفلسطينيين بمختلف فصائلهم، وتتخذ القرار الكبرى بآليات ديمقراطية تعبر عن إرادة كل الشعب الفلسطيني ، وبدون موقف عربي رسمي قوي وحاسم قادر على مواجهة كل الضغوط في موضوع الوقف الشامل والكامل للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي بشكل يتجاوب مع إرادة الشعوب، وحينها فقط سنرى موقفا مختلفا للغرب عموما (الدول والحكومات الساكتة على العربدة الإسرائيلية) من الصراع العربي-الإسرائيلي وتوجها لإرساء سلام حقيقي وعادل.
المصدر: التجديد نشر في التجديد

