استفاق بعض تجار الإعلام من هول صدمة أصابتهم بعد الإعلان عن نتائج الإستفتاء على الدستور الجديد يوم فاتح يوليوز، وراحوا يخبطون خبط عشواء، عساهم يجدوا لهم مكانا تحت أشعة سماء المغرب الجديد الذي لا مكان فيه للمترددين، صحافيون ومن فرط حمقهم، بدؤوا في رمي المقترحات، ونثر الآراء، ووصل بهم الأمر إلى حد تقديم القرارات. هاته الفئة من الصحافيين لا تدخر هذه الأيام جهدا في تقديم نفسها كمحاور أساسي في اللعبة السياسية، وكانت آخر إفرازات هذه الصدمة التي أصابت هذه الفئة، مطالبتهم بفتح حوار بين الدولة وجماعة العدل والإحسان، ويبدو أن هؤلاء الذين لا يفرقون بين المؤسسة الإعلامية و”البيسري”، ذهب بهم طموحهم إلى حد التوهم بجدية مقترحاتهم. الذين طرحوا هذا الاقتراح ، إما أنهم لا يفهمون في السياسة، وفي نظام الحكم في المغرب، أو أنهم لم يقرؤوا التاريخ الدموي لجماعة العدل والإحسان التي تلطخت أياديها في التنكيل بخصومها، والتمثيل بجثتهم، ولم يطلعوا على أدبيات الجماعة التي توازي بين شيخها الحالم بالقومة، وبين أمير المؤمنين المرتبط بالبيعة الشرعية مع الشعب. أناس لا يفرقون بين جماعة تسعى إلى الخلافة ، وتبذل في سبيلها الغالي والنفيس، بل وتتعامل مع مريديها كأنهم عبيد في مملكة السيد، ودولة لها نظامها السياسي المبني على الديمقراطية، وعلى المؤسسات، وبالتالي لن يستقيم أي نوع من أنواع الحوار. والحقيقة أن المطالبين بفتح حوار بين الدولة وجماعة ياسين، لم يصلوا إلى هذه النتيجة، إلا بعد فشلهم في الركوب على حركة 20 فبراير، وتحقيق بطولة ورقية، إذ سرعان ما تكشفت عوراتهم وظهر أنهم يلبسون الحق بالباطل، ويشربون من نفس الدلو الذي يشرب منه المنافقون، الذين آمنوا بالرسول في النهار، وحين خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، هؤلاء الذين طبلوا وزمروا لإنشاء جمهورية الوهم، بل وراهنوا على انتفاضة يمكن أن تتحول إلى ثورة شعبية، ردوا إلى نحورهم خائبين وانقلبوا على أعقابهم، لكن ذلك تم بعدما قبضوا الثمن، ليغيروا جلدهم ومواقفهم، بل وفيهم من غير حتى مقر سكنه لكي لا يبقى له عنوان معروف. ولأنهم لا يؤمنون بالمسلكيات التي سار عليها الملك محمد السادس ومن ورائه الشعب المغربي ، سواء في خطاب 9 مارس التاريخي، أو في خطاب 17 يونيو الماضي، والذي أفضى إلى مصادقة المغاربة على الدستور الجديد بأغلبية ساحقة أبهرت العالم أجمع، فإنهم أصبحوا يخلطون بين خدمتهم للوطن، وتبعيتهم للجماعة، بين الولاء للوطن، والولاء لأي شيء، ما جعلهم يضعون أنفسهم في موقع الوسيط الذي يمكن أن ينهي خلافات الدولة مع الجماعة، وهو في ذلك يقولون لكل المغاربة نحن لسنا لا مع هؤلاء ولا مع أولئك ، دافعنا الوحيد هو إنهاء الفتنة، مع أن من أشعل الفتنة منذ البداية هم هؤلاء المتصفحين الذين لم يألوا جهدا في سبيل الدفع بحركة 20 فبراير إلى أقصى ما يمكن. ونقولها صراحة، ومن دون مواربة أو خجل ، أننا نحن المغاربة الذين صوتنا بنعم على مشروع الدستور الجديد ، لا نقبل الجلوس إلى طاولة الحوار مع من كفر المجتمع ، وجعل زعيمه في مرتبة الخليفة، بل ووصل الأمر إلى حد فرض على المريدين والأتباع شرب ما تبقى من وضوء زعيمهم الذي بني موقفه على الرؤيا الكاذبة. نحن المغاربة لن نقبل أبدا أن نجالس جماعة ملطخة أيديها بدماء الأبرياء، وملطخ شرفها، جماعة تدعي الإيمان والأخلاق وتؤمن بالقيم، ومع ذلك لا تتورع في السماح بممارسة الرذيلة، تحت يافطة الإسلام، ولعل ما نشر حول رحلات
أثينا
التي قامت بها صاحبة الجمهورية الإسلامية رفقة عشيقها ، أو تلك الخلوات التي كانت تتم في إيموزار والجديدة، وفي غيرها كثير، أكبر دليل على أن الشعب يجب أن يبقى على مسافة كبيرة مع هذه الجماعة حتى لا تفسد أخلاقه. إننا نحن الذين صوتنا بنعم على الدستور الجديد، لا يمكن أن نقبل بالجلوس مع جماعة تنهض بأمر الشيخ وتنام بأمره، وتأكل بأمره وتمارس حقوقها الزوجية وغير الزوجية بأمره، وتقضي حاجتها بأمره، جماعة مستلبة، لا قرار لها إلا بأمر زعيمها، الذي رمى الديمقراطية وراء ظهره، وحول أتباعه إلى عبيد ينفذون ما يطلب من دون نقاش، جماعة مسلوبة الإرادة ولا هوية لها ، إلا هوية شيخها الذي ما زال يحلم بقومة ستأتي على الأخضر واليابس، شيخ يدعو إلى دولة يكون خليفتها، ويناهض قيم وأخلاق ومؤسسات المغرب. إن المغرب لا يتجزأ، فهو تاريخ وحضارة وقيم ومؤسسات وشعب يناضل من أجل تكريس مبادئ حقوق الإنسان، ومبادئ التسامح ، شعب يمكن أن ينسى بسرعة، لكنه أبدا لا يمكن أن يغفر لمن أساء لثوابت الأمة ، لذلك لا غرابة أن تعاين تلك التلقائية التي خرج بها هذا الشعب ليقول لعبد السلام ياسين ومن يروجون مخططاته هذه بلدنا سندافع عنها حتى النهاية، ولن نسمح برمي كل مكتسباتنا في البحر فقط إرضاء لنزوات أفراد تحركهم دوافع شخصية في الأول والأخير.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

