في كل الدنيا هناك أسرار ومفاتيح. ورجال الدولة ورجال السياسة هم أول من يسقط في امتحان فضح الأسرار. والمفروض فيهم أن يكونوا ممن يستطيع لجم نفسه عن البوح، إما مرضا أو افتخارا. وآخر ما طلع من أخبار هو اللقاء الذي جمع مولاي الطيب الشرقاوي، وزير الداخلية، بعبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، الذي سرب
الخبر
و سرب معه موضوعه المتعلق بجماعة العدل والإحسان ولم يبق إلا أن يصور بنكيران وهو يرفع يده محتجا على وزير الداخلية الذي يظلم أبناء عمومته من إسلاميي جماعة ياسين، التي ما تكاد تخرج من ورطة أخلاقية حتى تدخل أخرى. بعيدا عن صحة
الخبر
من عدمها لابد من قراءته جيدا. فالمعروف في مثل هذه اللقاءات أنها تكون ثنائية. يعني أن اللقاء جمع الشرقاوي وبنكيران ولاثالث لهما. فمن سرب
الخبر؟
الخبر سربه واحد من إثنين، إما الطيب الشرقاوي إما عبد الإله بنكيران، وإما شخص ثالث من مساعدي الوزير الذي ربما استعان به الوزير، وحتى هذا الأخير مهما كانت رتبته في الوزارة فإنه لا يحق له تسريب أخبار قد تكون صحيحة أو غير صحيحة أو يكون لها تأثير سلبي على البلاد. إذا كان وزير الداخلية هو من سرب
الخبر
فإنها الكارثة. فالوزير رجل دولة، والمفروض في رجل الدولة التحفظ ومعرفة طبيعة المعلومة القابلة للاستهلاك العمومي من المعلومة التي ينبغي أن يحتفظ بها لنفسه أو في محيطه، وإذا كان فعلا هو من سربها فإن منصب وزير الداخلية أكبر من مقاسه وعليه أن يعرف أنه يلبس جلبابا أكبر من حجمه، والمغاربة يقولون “لبس قدك يواتيك”. وإذا كان بنكيران هو من سرب
الخبر
فتلك مصيبة أعظم، فالرجل قال في برنامج حوار أنه مهيأ للوزارة الأولى وهو يطمح إلى أن يحصل على الرتبة الأولى في الانتخابات المقبلة وبالتالي يشكل الحكومة ويصبح أول رئيس حكومة في المغرب بعد إلغاء لقب الوزير الأول، وسيكون أول من يترأس حكومة بصلاحيات واسعة، بمعنى سيكون في موقع اقتسام السلطة مع المؤسسة الملكية، سيكون رئيس بمستوى رفيع المستوى، وبالتالي سيكون ممن يتخذ القرارات وممن تأتمنه الدولة على أسرارها، بما فيها أسرار الصفقات العسكرية وغيرها، فهل الذي سرب خبر لقاء خاص مع وزير الداخلية يمكن إئتمانه على أسرار البلد؟ رجل الدولة لا يتكلم كثيرا، ورجل السياسة يبيع الكلام طبعا، لكن السمة المشتركة بينهما الكتمان، والكتمان لا يعني الكولسة ولكن يعني الحفاظ على المعلومة غير قابلة للاستهلاك العمومي.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

