إن القراءة التاريخية لمجتمعنا الصحراوي والتي نحن بصدد تقديم اجتهاد من داخلها وداخلها، لا تنطلق من مستوى الاعتبارات الشخصية وإنما من مستوى الاختيارات التي تنفتح موضوعيا أمام مجتمعنا. فإشكالات التقدم، والتأخر التاريخي، يتضح من خلالها أن المجتمع الصحراوي يوفر شرطا ذاتيا من داخله يستوجب استحضار آلية التاريخ من اجل فهم وتحليل إشكال السياسة، وما يتعلق بالإنسان الصحراوي عموما، سواء تعلق الأمر بتطلعاته السياسية في مستوى معين، أو ما يتعلق بتمظهراته الاجتماعية والثقافية، على أن الاعتبار السياسي يظل الأكثر حساسية والأكثر جوهرية.
إن التحليل التاريخي لمجتمعنا، يبرز انه لازال حبيس المنطق التقلدوي لأشكال السلطة، فالقراءة الأنثروسياسية والسوسيوسياسية، تحدد لنا أن هذا المنطق يتمأسس تاريخيا وسلطويا من خلال ثلاث مفاهيم، أهميتها لا تفهم بشكل مجرد، بقد رما تكمن هذه الأهمية في انفتاحها على الواقع السياسي والاجتماعي. وهذه المفاهيم هي: * السياسي: والذي يتحدد من خلال الأحزاب، وارتباط هذه الأخيرة بالسلطتين التشريعية والتنفيذية، حيث هذه الأحزاب تظهر بالخصوص خلال الانتخابات، وتدعي أن لها مشاريع مجتمعية تدافع عنها، وتناضل من اجل تحقيقها، في أفق تجسيد دولة المؤسسات الحديثة. ثم نجد المجتمع المدني والذي أهمية وظيفته كما بدا في أوروبا في العمل على وقعنة مبدأ فصل السلط، وهو بالتالي يجسد دور القاعدة آو عموم الشعب في الممارسة السياسية، أو لنقل إن صح التعبير أن المجتمع المدني وظيفته الأساسية كما تحدد في المجتمع الحداثي تكمن في منع تركز أو رسملة السلطة في يد فئة معينة، وذلك من خلال مراقبة مهام السلط الثلاث. ولكن في مجتمعنا التقلدوي نجد أن هذه المهام والمبادئ المجتمعية كما حددها الفكر الحداثي تبدو بعيدة المنال، ذلك لان المجتمع المدني الصحراوي نجده رهين الحسابات السياسية ومصالح كل أشكال السلطة * التيكنوقراط: وهم أصحاب رؤوس الأموال والشركات، والتكنوقراطي الصحراوي تجسيد حقيقي لاقتصاد الريع، وذلك لضعف آو انعدام الصناعات المرتبطة بالقطاع الثاني في عملية الإنتاج، في مقابل تيكنوقراطي رأسماله يرتبط أساسا باستخراج الثروات و الثروات السمكية على وجه الخصوص، أو الاستثمار في الميدان الفلاحي القائم على كسب المواشي . وبالتالي إبقاء عملية الإنتاج برمتها تدور في فلك القطاع الأول، فالتيكنوقراطي الصحراوي مرآة لبدائية نمط الإنتاج المعتمد على القطاع الأول * الشيخ: وهنا سنتحدث بالخصوص عن فئة الأعيان، فهذه الفئة تحظى بالرعاية السياسية والانتقاء الاجتماعي، وهم ينحدرون غالبا من أسر مارست السلطة المحلية آو الجهوية. إن المكانة التي تحظى بها فئة الأعيان في المناطق الصحراوية، جاءت نتاج الدور التاريخي الذي لعبته هذه الفئة في الماضي ليس القريب بل البعيد، إلى درجة أن بعض الأعيان مكانتهم ترسخت منذ أزيد من مئتي سنة. فالرعاية السياسية التي تحظى بها فئة الأعيان، تتحدد من خلال الثروة الاقتصادية سواء على الصعيد الفلاحي أو من خلال استثمار بعض الأعيان في ميدان الثروة البحرية، أو حتى الاستثمار في الصناعات البترولية . وفئة الأعيان استفادت من الظرف السياسي لهذه المنطقة ابتداء من جيش التحرير وصولا إلى كل التطورات التي عرفها ملف الصحراء. استفادة جعلت لهذه الفئة الكلمة العليا واليد الطولى داخل المجتمع. والاهم أن الفئتين السابقتين أي السياسي والتيكنوقراطي، تتوحدان في هذه الشخصية الأخيرة. فنجد أن اغلب المنتخبين بالمناطق الصحراوية، مكانتهم لا تتحدد من خلال منطلقات ديمقراطية، أو مشاريع مجتمعية، وإنما من خلال اعتبارهم امتداد حقيقي لفئة الأعيان، والبتالي للمنطق التقلدوي المجسد لمنطق التخلف التاريخي إن هذه المفاهيم الثلاثة مقاربتها على ضوء الواجهة الصحراوية أو مقاربة هذه الواجهة على ضوءها، نصل إلى أن هذه المفاهيم ثلاث أوجه لعملة واحدة ، فالسياسي هو التيكنوقراطي وهو شيخ القبيلة والعكس بالعكس صحيح. إن هذه العملة امتداد حقيقي وواقعي لمنطق التخلف التقلداوي، فأصحابنا الذين نحاول أن نفهمهم بمنظار التاريخ، نجدهم بمثابة حظر عملي في وجه دولة الحداثة والمؤسسات الحديثة، من خلال ترسيخ الفكر القبلي العنصري، على أننا لسنا ضد القبيلة كمكون ثقافي وشرط ذاتي في كل إنسان، ولكن ضد كل تسييس أو استغلال سلطوي لهذا المكون، ومنه فان إشكال التخلف والتقليد، لا يجب إلصاقه بالمواطن البسيط، بل إن فهمه يستوجب ربطه موضوعيا بالجوانب السياسية لهذه المنطقة، وربطه بالقراءة التاريخية، التي هي الوحيدة القادرة على فهم مكمن التخلف التقلدوي والتاريخي. ثم انعكاساته السياسية، والسوسيوسياسية، وحتى الفكرية .
المصدر: ماسيك ماالعينين نشر في صحراء بريس

