يحرص دعاة التغيير وقادته والمشاركون فيه على الابتعاد عن الشبهات بما في ذلك تلك التي يتجاوز عنها المجتمع، لأن التغيير عملية نبيلة وشريفة ولا يمكن خلط عمل طيب بآخر خبيث، فنبل التغيير وشرفه يجعل منه محرما على ما كان غير ذلك وأراد ركوب الموجة لتحقيق أغراض شخصية آنية لا يمكن أن يجود بها الزمان، فإذا كان أهل التغيير يبتعدون عن الشبهات حفاظا على صفاء الطريق والأسلوب فما بالك بمن هو غارق في الشبهات وينبري لقيادة ما أسماه عملية التغيير. إن هذه الكلمات فرضها علينا الاطلاع على الأسماء الموقعة على بيان “التغيير الذي نريد” والذي تم تجميعه من كل أطروحات التغيير وهو يشبه ما أقدم عليه أحد الفقهاء عندما جمع مدونة من الرخص من خلال كتب الفقه التي سبقته فصنع فقها بلا منظومة ولا مبنى وأصبحت مدونته الفقهية مثالا على من يتسهل المعرفة والذي لا يعد لها العدة، فلو جمعت من كل نظام واحدة من ركائزه لأسست نظاما بلا هوية، في الوقت الذي يحتاج فيه التأسيس إلى التأطير النظري حتى لا يخرج عن حدود المنطق وإلا سيأتي غدا من ينقل نظاما يصلح فقط لدولة بعينها ويقترحه علينا للتطبيق. فللنظام البريطاني خصوصياته المجتمعية والتاريخية وللنظام الفرنسي، الذي يختلف عنه جذريا، خصوصياته وللنظام الأمريكي أيضا خصوصياته ورغم تشابه النظامين البريطاني والأمريكي في الثنائية الحزبية إلا أنهما يختلفان في طريقة التصويت ففي بريطانيا يصوت كل أعضاء حزب العمال وفق قرارات الحزب وكذلك المحافظون وفي أمريكا هناك حرية في التصويت حتى تنتفي الثنائية لصالح التعددية الحزبية، ولا يمكن بالبث والمطلق تطبيق هذين النظامين في لبنان أو الهند وكذلك المغرب لا يمكن إلا أن يصنع نظامه بعيدا عن الاستنساخ فبالأحرى أن يكون البيان المذكور تجميعا لآراء من هنا ومن هناك. وعودا على بدء لابد من مناقشة الموقعين على البيان الذين تحوم حول أغلبيتهم شبهات معينة وبالتالي يصبح البيان وسيلة للضغط لا أقل ولا أكثر، فصنف من الموقعين ناقض المواقف الحزبية التي ينبغي الالتزام بها إذا كان الموقع من الأقلية أو الانسحاب من الحزب وصنف ناقض نفسه بنفسه وصنف أراد أن يجعل منه طريقة لمعانقة الحرية وصنف ثالث في ذمته أحكام قضائية فحول البيان إلى أداة تطهير من التهم المنسوبة إليه وصنف رابع فشل في العمل مع الدولة ولم يعد له من سبيل إلا شتمها وصنف خامس لا في العير ولا في النفير. فعلي لمرابط الذي يبيع الشتائم للصحافة الإسبانية المعادية للمغرب عمل قبل أن يلتحق بالصحافة بالسلك الديبلوماسي وقد أثبت فشله في هذه المهمة وجعل من الضجيج والخصومات طريقته في تفادي العمل، وحتى لما جاء إلى الصحافة لم يستطع بناء نموذجه التحريري إلا عن طريق السب والشتم وليس النقد كما يعتقد البعض، ونسي لمرابط في لحظة من الزمن أنه صنيعة انقلبت على صانعيها بعدما تركوا لها الحبل على الغارب. ولم يجد وسيلة ليقتات بها سوى أن يلجأ إلى
إسبانيا
حيث وجد في الصحافة المعادية للمغرب ملاذا لأنه ليس لديه ما يقدمه لصحافة رزينة وشرع في بيع الوهم والسباب الذي يستورده من قاموس رديء ولم يتورع في تبني أطروحات الانفصاليين ولا نعتقد أن ذلك كان لله في سبيل الله. ومن نوادر الأسماء الموقعة على بيان “التغيير الذي نريد” أبو بكر الجامعي الذي ما زال مصرا على تقديم نفسه كأحد الوطنيين الكبار الذي لم يجد له موقعا في بلده الذي يزعم أنه يدافع عنه، فلجأ للخارج قصد التعبير عن أفكاره وما زال مصرا على تقديم نفسه كأحد المعارضين للنظام وما زال يقدم نفسه باعتباره مفكرا سياسيا كبيرا يقترح على المغرب حلولا لما يتوهمه الأزمة الخانقة، وإن كان لا أحد ينكر وجود بعض الاختلالات فإن الجامعي ليس مخولا للحديث عنها وهو أكبر الجاهلين بالواقع المغربي فبالأحرى أن ينظر لمستقبله. فهل يمكن لأحد أن يحشر نفسه ضمن دعاة التغيير وهو لا يتميز بخصال المواطن الصالح الذي يؤدي واجباته كما ينبغي؟ فهل الدعوة للتغيير تجعل صاحبها في منأى عن واجبات المواطنة؟ فأبو بكر الجامعي لم يكن مواطنا صالحا حتى يمكن أن يكون وطنيا مدافعا عن الوطن، فكيف لمن يتهرب من الضرائب أن يكون مواطنا كامل المواطنة؟ وأخطر من ذلك أن الجامعي لم يعمل على مناورة أجهزة الضرائب فقط بل إن الوطني الكبير ضيع حقوقا أبدية لمواطنين عملوا معه في مجلته “لوجورنال”، فعندما لم يؤد الجامعي ما بذمته لفائدة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي فإنه ضيع حقوقا لفائدة الذين اشتغلوا معه ومنها الحق في التقاعد، فكم ضيع المواطن الصالح على هؤلاء من نقط تحسب في التقاعد، وهذا نموذج فاضح لدعاة التغيير ولطبيعة وللمستقبل الذي يبشرون به. وخلف الولد الذي ضيع حقوق العاملين يوجد الأب خالد الجامعي الذي نالته المراهقة الثورية في المتأخر من العمر، فليس خالد الجامعي سوى عراب اليسار لدى من يسبهم اليوم، ولكن ليس في تكشيرته أي عيب وهو الموعود بإيجاد منصب سام لولده لكن من أخلف الوعد هو من أجج سعاره. ومن الموقعين على البيان عبد الرحمن بنعمرو الذي عرفناه شيخا يساريا لكن لم نعرف عنه أنه يريد الشيء ونقيضه، فالرفيق التزم بالمشاركة في الحوار حول التعديلات الدستورية الشاملة وقدم اقتراحات حزبه وقال إنه لن ينسحب من الحوار إلا بعد أن يبدو له ما يعرقل هذا الحوار، ولم يخرج للرأي العام بأي بيان يشير إلى تجاوزات أو خروقات في الحوار، ومع ذلك شارك في البيان الذي تناقض مضامينه مضمون الوثيقة التي قدمها حزب الطليعة. ومن بينهم أيضا رجل ملأ الدنيا ضجيجا بدعمه للقضايا القومية لكن سقوط النظام العراقي كشف عن أوراقه المتخفية خلف النضال العربي ومع بدء حركة سقوط الأنظمة العربية المحتضن الرسمي لهذا النوع من النضال شرع صاحبنا في تبني قضية التغيير عله يغطي بها عن فضائحه من الرؤساء القوميين. ولا نستغرب أن نجد من ضمن الموقعين موظفين سابقين لديهم مشاكل مع إداراتهم وقد يكونون مظلومين لكن هذا لا يبرر وجودهم ضمن اللائحة لأنهم قد يكونون ارتكبوا أخطاء أثناء أداء مهامهم كالقبطان أديب والقائد يونس فنيش الذي وقع على أنه كاتب وباحث وأحمد بن الصديق المدير العام السابق لصوتيرما.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

