أكد عبد المجيد لوكيلي الخطيب والإعلامي في قناة السادسة أن العلماء مكون أساسي في معادلة التغيير، مستغربا غيابهم عن قائمة اللجنة الدستورية. ودعا إلى تكوين لجنة علمية تقدم اقتراحاتها وتتابع باستقلالية كبيرة أعمال اللجنة حتى لايقع انفلات يمس الثابت الذي تدور حوله كل الثوابت الأخرى. ودعا لوكيلي في حوار مع ”التجديد” الشباب من العلماء والخطباء إلى المساهمة في الحراك الجديد وأن يستثمروا هذه اللحظة التاريخية في توعية الناس بحقوقهم وواجباتهم ويخرجوا من الخطاب التقليدي الذي لم يعد -بحسبه- مجديا في عالم الفضائيات والأنترنيت.
يشهد العالم العربي حركة وعي شعبي بضرورة التغيير والإصلاح، كيف ترى هذه الحركية؟ هناك سنن ربانية لا تتخلف ولا تتعطل، من أبرز هذه القواعد الإجتماعية التي بينها القرآن الكريم هي أن للظالم نهاية وأن الشعوب إذا استضعفت وقهرت لأمد طويل تنتهز كل فرصة مواتية لتقول لا، وإذا قالت لا من الصعب أن تتوقف حتى تنال حقوقها كاملة غير منقوصة. هذا تماما الذي حدث في دول كتونس ومصر وليبيا واليمن… فمن حسنات العولمة بآلياتها المختلفة أنها ساهمت في عولمة الوعي السياسي من خلال وسائل الإتصال الحديثة، وتبين جليا أن الشعوب العربية والإسلامية لها كثير من القواسم المشتركة، وعبرت كلها تقريبا بنفس الطريقة، وأظن أن الشعب التونسي المجاهد له فضل السبق وسيصدق فيه الحديث:” من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة” . لكن رغم فرحنا واستبشارنا خيرا بهذه الثورات المباركة نخشى عليها أن تكون مطية للفتنة والتمييع والتهور سيما في بلد كالمغرب الذي يمتلك مؤهلات كبيرة للتطور والإقلاع. إن المطالب الشعبية ينبغي أن يقع عليها إجماع بين كل المكونات وأن تؤمن الأطراف المناهضة للإستبداد بالديموقراطية الشعبية ولانريد من أي جهة أن تتكلم باسم الشعب أو ترفع سقف المطالب وحدها دون مراعاة حق الآخرين في التعبيروإلا سنكون أمام ديكتاتورية أشد شراسة وأكثر طغيانا. المغرب بدوره شهد نقاشات حول أهمية وضرورة الإصلاح، لكن الملاحظ أن تفاعل العلماء والفاعلين في الشأن الديني مع هذه الحركية والمطالب كان ضعيفا، كيف تفسر ذلك؟ هذه الحركية التي يعرفها المغرب الآن ستأتي إن شاء الله بالخير الكثير، لكن تحتاج إلى الإستمرارية في النضال والترشيد في المنهجية من خلال الحوار البناء الذي يؤمن بالتعددية والتدرج، وأعتقد أن العلماء مكون أساسي في معادلة التغيير لابد أن يرفع من إيقاعه في المشاركة، وأنا شخصيا أستغرب من غيابه عن قائمة اللجنة الدستورية وأقترح أن تكون لجنة علمية تقدم إقتراحاتها وتتابع باستقلالية كبيرة أعمال اللجنة حتى لايقع انفلات يمس الثابت الذي تدور حوله كل الثوابت الأخرى. من هذا المنطلق يجب على العلماء الرسميين وغيرهم أن يكونوا حاضرين حذرين في هذه اللحظة التاريخية الحساسة. ماذا يعني غياب او تغييب العلماء عن النقاش الدائر في المغرب أو عن المساهمة في وضع معالم الإصلاح في المغرب؟ هناك أصوات تنادي بجعل المواثيق الدولية أسمى مرجعية يتبناها الدستور، نحن لسنا ضد هذه المواثيق، ولسنا كذلك مع الإنغلاق على الفتاوى القديمة التي لها ارتباط بالزمان والمكان، بل نحن مع التجديد والإجتهاد المراعي لروح العصر، ولايضيرنا أن نخالف مذهب مالك رحمه الله أحيانا. الذي نخشاه هو الجرأة على الصحيح الصريح القطعي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إنني أستغرب ممن يرفض المقدس الديني الرباني المصدر ويتخذ المواثيق الدولية البشرية مقدسا دينيا جديدا، من هنا أشدد على خطورة غياب أو تغييب العلماء. 9 مارس شكلت محطة وصفها الكثيرون بالمهمة في تاريخ المغرب، ولقي خطاب الملك تثمينا من الداخل والخارج ونسجل بهذا الخصوص تثمين القرضاوي للخطاب ودعوته قادة الدول العربية إلى الاقتداء به، بالمقابل لم نسمع صوت علماء المغرب، كيف تفسر ذلك؟ لما قرأت ما قاله القرضاوي في خطاب 9مارس استحييت، وكبر في عيني موضوعية الرجل الذي لم يمنعه البيان الصادر في حقه من المجلس العلمي الأعلى بشأن فتواه في القروض البنكية، لم يمنعه ذلك، من أن يثني على مبادرة الملك في خطبة جمعة يتابعها ملايين المسلمين في كل أنحاء العالم، إنها لحظة إشهارية بلغة الإعلاميين تستحق الملايير من الدراهم من قبل أجهزة الدولة المغربية! وتستحق بالمقابل التحقيق في من كان وراء البيان السالف الذكر والذي لم تكن فيه رائحة الرد العلمي من قريب أو بعيد. لست هنا في معرض الدفاع عن القرضاوي وإلا يسري عليه ما يسري على أي عالم من علماء المسلمين قديما وحديثا، فكل مجتهد بشري يصيب ويخطئ ويؤخذ من قوله ويرد، لكن نريد لممثلي العلماء في المغرب أن لايمرر عليهم باطل وأن يكونوا حاضرين في كل المحطات المحددة لمستقبل وطننا، ماذا يقولون في خطاب أمير المؤمنين؟ هل أعدوا مقترحا بشأن ثابت الإسلام في مشروع الدستور الجديد؟ رسالة العالم أمانة في عنقه، وهي أسمى من كل منصب أو وظيفة أو كسب مادي أو رمزي زائل. هل يمكن في نظرك أن يسد العلماء الشباب هذا الفراغ؟ العلماء المغاربة في كل المجالس العلمية يقومون بجهد مشكور في التوعية الدينية، وبحكم لقاءاتي الحوارية التلفزيونية مع كثير منهم اكتشفت كنوزا نادرة ظلت خارج الأضواء، لكن للأمانة الموضوعية نودي على كثيرمنهم في التشكيلة الجديدة للمجالس العلمية ممن اتهمتهم جهات معينة ظلما وعدوانا. فالجانب العلمي حاضر في جهات عديدة، لكن كثيرا من هؤلاء الفقهاء والعلماء يستحيون ويزهدون ويتواضعون، وهذا لايمنع من وجود فئة منهم لها شجاعة وجرأة رغم أنها تشتغل داخل المؤسسات الرسمية، أما الشباب من العلماء والخطباء فواجبهم أن يساهموا في الحراك الجديد ويدلوا بدلوهم وأن يستثمروا هذه اللحظة التاريخية في توعية الناس بحقوقهم وواجباتهم ويخرجون من الخطاب التقليدي الذي لم يعد مجديا في عالم الفضائيات والأنترنيت، ولم لاتكون لهم مواقع في الإستشارة في القرارات المصيرية للوطن؟ مستنيرين بتوجيهات شيوخنا وعلمائنا الكبار طبعا. مع ظهور الثورات العربية بدءا من تونس وإلى ليبيا مرورا بمصر، تعرض عدد من الخطباء في مساجد المملكة الى حملة تضييق شرسة بعد تناولهم لهذه الأحداث في خطبهم، ونتيجة لذلك تعرض بعضهم للعزل وآخرون للمساءلة والاستفسار والتنبيه، كيف تنظرون إلى هذه الخطوات ولماذا هذا التضييق على خطباء المساجد؟ توجيه الإستفسارات والمكالمات الهاتفية التوبيخية لبعض الفضلاء من الخطباء بدعوى التطرق للأحداث الجديدة هي سلوكات لمؤسسة العالم، وأعتقد أن أي مندوب يتصرف بهذه الطريقة هو خارج التاريخ . ووجهة نظري أن يعاد النظر في مهام المندوب خاصة ما تعلق منها بالخطيب والواعظ والعالم. تمارس وزارة الاوقاف رقابة صارمة على العلماء وتمنعهم من الادلاء بآرائهم في قضايا المجتمع، ما رأيكم في مثل هذه الممارسات؟ وما هي انعاكاساتها على صورة العالم في المجتمع؟ من باب الموضوعية أشهد أن الخطيب حر في اختيار مواضيع خطبته، إلا في مناسبات محصورة جدا وغالبا ما ترسل له مذكرة ويتصرف هو في الموضوع، لكن الذي حدث أن خلق المندوبيات جعل كثيرا من القيمين الدينيين بشكل عام يتذمرون من كثير من المناديب الذين طغى عليهم التعامل الإداري والمخزني أحيانا، وهذه سلوكات تتنافى حتى مع توجهات الوزير الذي لمسنا منه احترامه وتقديره للعلماء، لكن المطلوب منه أن يأخذ على أيدي بعض من زاغ به منصبه وتجاوز حدوده، وأنا أطلب منه شخصيا أن ينقذ وزارته من بعض الأيادي التي يعرفها كل الموظفين بالوزارة وتعطي صورة سلبية عن الشأن الديني بالبلد. يلاحظ أن الإعلام الرسمي الديني لم يواكب الحراك الوطني الدائر حاليا، باعتباركم وجها إعلاميا بارزا كيف تفسر ذلك وما المطلوب من هذا لاعلام؟ الإعلام في الوقت الراهن يلعب دورا كبيرا وله تأثير على الرأي العام، ولابد للإعلام الوطني بشكل عام أن يتحرك بوعي، وينفتح على انشغالات المواطن بنضج، لكن لابد كذلك من احترام التخصص ومجال الإشتغال، فقناة السادسة قناة تربوية موضوعية، وقد ساهمت في الوصول إلى شرائح كبيرة داخل المغرب وخارجه خاصة بانفتاحها على وجوه إعلامية شابة وبعض العلماء الذين لهم وزن كبير وسمعة طيبة، لكن مازالت هناك مساحات كبيرة للإبداع والإجتهاد الذي بدونه يستحيل أن نحصن المجتمع مما قد يهدده من تيارات متطرفة مخالفة لثوابته. لكن هذا يحتاج إلى إيمان الجهات الوصية على القناة بالدور الكبير الذي قد تساهم به في بناء المواطن المسلم المنفتح إيجابيا ويحتاج كذلك إلى رصد إمكانيات محترمة للقناة يجعلها قادرة على إنتاج برامج مباشرة بمعايير الجودة التي تتطلبها المرحلة لتكون في مستوى منافسة الفضائيات التي يتوجه إليها كثير من المواطنين المغاربة. حقيقة هناك تواصل مهم مع القناة من قبل دول مختلفة كتركيا والكويت وبعض الدول الإفريقية، لكن نحتاج إلى مزيد من العمل، بهذا ستساهم القناة في بناء العقل المسلم الذي سيتحمل المسؤولية في المرحلة الجديدة متسلحا بقيم الإسلام الحنيف. كيف تنظرون إلى مستقبل المغرب في ظل ما يجري حاليا؟ أنا متفائل للمرحلة الجديدة ، لكن لابد من طاقات مخلصة من كل المواقع تساهم وتنخرط في الورش الإصلاحي الكبير بصدق وأمانة وبروح حوارية عالية تدافع عن رأيها وتحترم الرأي المخالف وتنصاع لنتائج الديموقراطية في نهاية الأمر. وليسمح لي العلماء فهم ربما أقل الفئات جرأة الآن، لابد أن يعلموا أن الوضع في تحول ملموس وأن المجتمع محتاج إلى لمستهم وبصمتهم المباركة في التحولات المقبلة.
المصدر: سناء القويطي نشر في التجديد

