فيما لم يستبعد مصدر دبلوماسي أن تكون جهات خارجية عجلت، بشكل مباشر أو غير مباشر، بانهيار نظام زين العابدين بن علي، يفيد أن الصراع الأمريكي الفرنسي استمر حتى اللحظات الأخيرة التي سبقت هروب الرئيس التونسي .
ففيما باركت واشنطن ، جهرا، انتفاضة التونسيين وشددت على حقهم في تقرير المصير، ترددت باريس كثيرا في اتخاذ موقف واضح من قمع المتظاهرين، بل وفي الوقت الذي كان يسقط مزيدا من القتلى، صرحت ميشال آليو ماري، وزيرة الخارجية الفرنسية، عن استعداد بلادها لتدريب قوات الأمن التونسية على الحفاظ على الأمن. وأثار تصريح آليو ماري انتقادات واسعة في أوساط الحقوقيين والمعارضين الفرنسيين والتونسيين ، وانتظرت آليو ماري حتى هروب بن علي لتقول إنها صدمت لرغبة البعض “في تحريف تصريحاتي التي اقتطعت وأخرجت من إطارها لكي تعبر، وخدمة لغايات مثيرة للجدل، عن عكس ما أردت قوله وتضامني مع معاناة الشعب التونسي “. غير أن صحفا فرنسية معروفة برصانتها نسبت إلى آليو ماري قولها “بما أن الأمر يتعلق بدولة كانت خاضعة لحمايتنا، فإننا مطالبون بمزيد من التحفظ. لا نريد أن نصب الزيت على النار، بل على العكس مساعدة شعب صديق بكل الوسائل المتاحة لكن من دون التدخل”. كما نسب إليها “كي لا تتكرر أوضاع مماثلة في المستقبل، لقد قلت إننا مستعدون لتدريب قوات الأمن التونسية كما نفعل مع دول أخرى على الحفاظ على الأمن مع الحرص على الحفاظ على الأرواح”. في مقابل ذلك، قال مايك هامر، المتحدث باسم البيت الأبيض، في بيان “ندين العنف المستمر ضد المدنيين في تونس وندعو السلطات التونسية لتنفيذ الالتزامات المهمة التي قطعها الرئيس ابن علي في كلمته أمس للشعب التونسي ومنها احترام حقوق الإنسان الأساسية وعملية إصلاح سياسي تشتد الحاجة إليها”. وعشية هروب بن علي رفقة عائلته الصغيرة، كانت هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية ، تجر آذان الزعماء العرب بدعوتهم لإصلاح ما وصفته ب”المؤسسات الفاسدة وإنعاش النظام السياسي الراكد وإلا فإنها معرضة لخطر الهزيمة في مواجهة التشدد الإسلامي”. وكانت كلينتون تتحدث في منتدى دولي نظم بقطر، يوم الخميس 13 يناير 2011، أي يوما واحدا قبل نجاح التونسيين في طرد بن علي. وقالت كلينتون “في حين أن بعض الدول حققت تقدما كبيرا في الحكم فإنه في دول أخرى كثيرة مل الناس من المؤسسات الفاسدة والنظام السياسي الراكد. إنهم يطالبون بإصلاحات لجعل حكوماتهم أكثر فاعلية وأكثر استجابة وأكثر انفتاحا”، فيما يمكن اعتبار إشارة مباشرة لما يقع حاليا في تونس . ومضت تقول “إذا لم يقدم الزعماء رؤية ايجابية ويمنحوا الشبان سبلا ذات معنى للمساهمة، فإن آخرين سيملؤون هذا الفراغ. عناصر متطرفة.. جماعات إرهابية وغيرها والتي تستغل اليأس والفقر الموجودين بالفعل… وتتنافس على النفوذ”. وذهبت إلى حد القول إن “عددا كبيرا من زعماء المنطقة أخفقوا في بناء مستقبل يمكن للشبان في شعوبكم أن يؤمنوا به وأن يبقوا من أجله ويدافعوا عنه. إن الناس الآن على علم بما لم يكونوا يعلمونه قبل 20 أو 30 عاما.. وهو أن الكثير من ثروات الحكومات في يد فئة قليلة لا كثيرة، وذلك في عدد كبير جدا من الدول”. وكانت برقية، نشرها موقع ويكيليكس، تفيد أن السفارة الأمريكية في تونس دعت واشنطن لأن تطلب من الدول الأوروبية تكثيف جهودها لإقناع الحكومة التونسية بتسريع الإصلاحات السياسية. وجاء في البرقية، التي وصفت المحيط العائلي للرئيس التونسي زين العابدين بن علي بأنه “أشبه بالمافيا”، أن ألمانيا وبريطانيا تؤيدان فكرة ممارسة ضغوط على بن علي، “ولكن دولا رئيسية مثل فرنسا وإيطاليا تترددان في ممارسة ضغوط”، تقول البرقية المؤرخة في يونيو 2008 والتي كانت بعنوان “ما هو لكم هو لي”، فيما يمكن اعتباره تلميحا إلى أن بن علي كان يفتح الباب أمام أقربائه للاغتناء بشكل غير شرعي مقابل الحصول على نصيبه. لكن الخطأ الكبير الذي وقع فيه بن علي، حسب المصدر الدبلوماسي، يكمن في استدعاء السفير الأمريكي من طرف الخارجية التونسية لإبلاغه احتجاجها على ما جاء في تلك البرقية مباشرة بعد نشرها في موقع ويكيليكس. وعددت البرقية مساوئ حكم بن علي مشيرة بالخصوص إلى “أن زوجة الرئيس حصلت من الدولة على أرض كمنحة مجانية لبناء مدرسة خاصة، ثم أعادت بيعها”. وفي صيف 2009، ذكرت برقية أخرى أن “الرئيس بن علي يتقدم في العمر ونظامه متصلب وليس لديه خليفة معروف”. وفي البرقية ذاتها، فإن دبلوماسيين يعتبرون أن العمل في تونس يزداد صعوبة، ف”القيود التي تفرضها وزارة الخارجية ترغمهم على الحصول على إذن خطي قبل أي اتصال مع أي مسؤول حكومي، كما أن كل طلب لقاء ينبغي أن يرفق بمذكرة دبلوماسية، يبقى العديد منها بلا إجابة”. هل يمكن القول إن الولايات المتحدة انتصرت في النهاية مقابل فقدان فرنسا أحد حلفائها “الدكتاتوريين” والذي كانت باريس تغض الطرف عن أساليب حكمه، بل أن جاك شيراك، الرئيس الفرنسي السابق، لم يتورع، حين سئل عن رأيه في قمع الحريات بتونس ، في القول “إن الخبز أفضل من الحرية”؟ يرد المصدر الدبلوماسي بالقول إن الصراع الأمريكي الفرنسي كان دائما مشتعلا في الخفاء من أجل مزيد من النفوذ في منطقة المغرب العربي، وسيستمر كذلك.
المصدر: عمر جاري نشر في لكم

