لعل الخلاصة الأبرز للتقرير الأخير لديوان المظالم هو تراجع عدد القضايا المطروحة بين سنتي 2008 و2009 حيث تراجعت من 1935 إلى 1521 قضية، وهو مسار تراجعي بدأ منذ سنة 2005 عندما تراجع طرح القضايا عليه من 12 ألف و82 قضية في سنة 2004 إلى 4067 في سنة 2005 تمثل المجموع العام للشكايات، وللمقارنة فمؤسسة الوسيط في فرنسا بلغ عدد القضايا المطروحة عليها في سنة 2009 وحدها 76 ألف و286 قضية.
فهل يعني ذلك أن علاقة المواطنين بالإدارة في تحسن؟ في الواقع إن المشكل هو في تصور المواطن لدور ديوان المظالم و”اكتشافه” لمحدودية هذا الدور والذي يجعل منه غرفة تسجيل لمشاكل الناس أكثر منها مؤسسة لحلها وتسويتها، مما جعل المراهنة عليها في تحقيق الإنصاف مراهنة خاسرة وأن الحل هو في اللجوء إلى غيرها. حالة ديوان المظالم هي حالة عدد من المؤسسات التي استقطبت بريقا كبيرا عند إحداثها، واعتبرت بمثابة فتح في حل اختلالات نظام الحكامة في البلاد وخاصة بعد السعي لتجديد بعضها مثل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ومجلس المنافسة (غشت 2008) أو إحداث أخرى جديدة كديوان المظالم (2001)والذي صدر أول تقرير له في سنة 2006 خاصا بسنتي 2004 و,2005 أو الهيأة المركزية للوقاية من الرشوة (أكتوبر 2008) أو في المتابعة الفعلية لتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة ذات العلاقة بالإصلاحات المؤسساتية. في مختلف هذه المؤسسات نجد وعيا عاما بوجود مأزق الجمع بين الانتظارات الكبيرة والاختصاصات المحدودة إن لم نقل الهامشية، بما يهدد بتحويل هذه المؤسسات إلى بنيات شكلية تخدم ديموقراطية الواجهة أكثر منها رافعة لتسريع رهان الانتقال الديموقراطي. نقف هنا عند رأي سابق لرئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في لقاء علمي بمراكش هذه السنة والذي عبر فيه عن غياب سياسة عمومية في مجال حقوق الإنسان، كما نقف عند الخلاصة الدالة للتقرير الأول للهيأة المركزية للوقاية من الرشوة حيث أكدت غياب استراتيجية وطنية لمحاربة الرشوة وبلغ عدد الشكايات المقدمة والمتعلقة بالرشوة 100 شكاية في سنة 2009 و40 في الاشهر الستة الأولى من السنة التي نودعها، كما صرح رئيسها في الربيع الماضي بالحاجة إلى توسيع صلاحيات الهيأة بل وأحدث خلية للتفكير في الموضوع، أما مجلس المنافسة فإن رئيسه عبر بوضوح عن افتقاد المجلس لصلاحيات حقيقية وشكا علنا من ذلك، كما سبق له أن كشف دعوته لعدم التطرق لبعض الملفات رغم أن رأيه لا يتجاوز الطابع الاستشاري ويفتقد لكل قوة إلزامية ولا ينكلت القدرة على البمادرة إلى التحقيق كما أن نتائج أعماله لا تنشر، مع العلم أنه هو الأخر لم يتجاوز عدد الكلفات المحالة عليه لتقديم الرأي 15 ملفا في سنة 2009 قبل منها 9 وذلك إلى حدود مارس .2010 من الواضح أن إحداث هذه المؤسسات لم يكن بغرض إصدار تقارير أو التدخل النسبي لتسوية بعض القضايا أو تنظيم ندوات بل بهدف التقدم نحو الإصلاح الحقيقي لنظام الحكامة والشفافية بالمغرب على الرغم من أهمية ما سبق، كما كان يبرر القدر المحدود لصلاحياتها بأن ذلك مرتبط بالبدايات لكن الواقع اليوم يكشف عن وضع آخر يسير في تجاه نفض المجتمع ليده من هذه المؤسسات ونزع كل ثقة فيها. ما سبق مظهر آخر للعطب القائم في الانتقال الديموقراطي المعلق منذ سنوات في المغرب، ويكشف أن فزاعة الخطر الإسلامي التي ترفع من قبل البعض ليست سوى أداة في مشروع أكبر يتجاوز في مداه وخطره المجال السياسي إلى باقي مجالات المجتمع والدولة وخاصة منها المتعلقة بالثروة والرغبة في توفير غطاء سياسي يتيح حماية مصالح وامتيازات البعض. المشكل اليوم أن المجتمع بدأ يرفض وبطريقته هذا الواقع، وهي رسالة يصعب تجاهلها، مثلما يصعب تنظيم انتخابات ليفاجئ منظموها بعدم قدوم أحد للتصويت، وهو المآل الذي نحذر من أن يسقط بلد عريق في التعددية فيه، وهو ما يقتضي الإشتغال الجدي على إعطاء دفعة حقيقية لعمل هذه المؤسسات قبل فوات الأوان.
المصدر: مصطفى الخلفي نشر في التجديد

