أكد أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أن دور إمارة المؤمنين في تدبير الكلام في الدين أساسي، لأن عملها على سد ذرائع الكلام في الدين تيسّر للناس تعلم الضروري في الدين، فلا يبقى لأحد مجال للشكوى بالنقص، كما أن إمارة المؤمنين تهيئ الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي بها تستقيم حياة الناس، وتوفر التأطير المادي والبشري والتنظيمي الذي تستقيم به أعمال العبادة بمختلف أنواعها.
وأبرز التوفيق خلال الدرس الحسني الأول الذي ألقاه أول أمس السبت في موضوع الكلام في الدين أسسه وتجلياته، انطلاقا من قوله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)، (أبرز) أن سدّ هذه الذرائع يدخل في شروط البيعة الأساسية ومنها حفظ أولويات الدين المتمثلة في ضمان أمن النفوس وثمرات الكسب الحلال من الأموال وحفظ الأعراض، وبناء مشروع لإقامة العدل بين الناس، وإحياء مشيخة العلماء وتمكينها من وسائل الاشتغال. وحدد التوفيق مسؤولية العلماء في تدبير الكلام في الدين في أربعة أدوار أساسية تتجلى في إرضاء حاجة الناس للكلام فتوى وإرشادا ولو فرط فيه العلماء لتوافد عليه الجهال، مشيرا إلى أنهم أصبحوا مطالبين بتعزيز وجودهم في المنابر المستجدة مثل الاذاعة والتلفزيون والشبكة العنكبوتية التي تخاطب الملايين بدل الاكتفاء بالمنابر التقليدية. ودعا العلماء إلى احتلال مواقع مهمة في شبكة الانترنت باسم المؤسسة العلمية لأن ذلك من شأنه تصحيح المفاهيم خاصة وأن كثيرا مما يقال في الدين عبر الشبكة يقال في سياق يتسم بالمجهولية والتستر والإسفاف بهدف اقتناص الأغرار المتحمسين للدين في ظروف افتراضية مشبوهة. وتنضاف إلى ذلك أدوار أخرى للعلماء منها القيام بالحسبة العلمية على المتكلمين في الدين حماية لضمير الناس وسكينتهم وأمنهم الروحي، وتأهيل الخطباء والوعاظ وتكوينهم المستمر، إضافة إلى صيانة حرمة منابر الكلام في الدين وتشخيص العالم لنموذج حامل نور العلم، وذلك في أفق حض الناس على إسلام أنفسهم لله باعتباره الغاية التي يجب أن تفضي إليها كل أنواع الكلام في الدين. أما في ما يتعلق بمسؤولية عامة الناس، فأبرز التوفيق أن انخراطهم في هذا المجال يتطلب قدرا من الوعي ببعض القضايا من ضمنها استيعاب الوضع القائم في المملكة وكون المصالح والحقوق التي يناضَل من أجلها بترتيبات سياسية تكتسي كامل أبعادها الشرعية على أساس مقاصدها. هذا وحدد التوفيق الأصناف الغالبة في الكلام في الدين في أحد عشر صنفا، أولها كلام يدخل في تعليم الدين وشرحه ويضطلع به العلماء والمدرسون، وثانيها كلام يدخل في خلق مزيد من الاستعداد للعمل بالدين ويقوم به خاصة الوعاظ والخطباء المأذون لهم، أما ثالث هذه الأصناف فهو كلام يدخل في الفتوى التي تهم الجماعة ويختص بإصدارها المكلفون من لدن إمارة المؤمنين ويتناول الأمور الجديدة ، وأشار التوفيق إلى أن هناك من يسمي المعلومات العادية فتوى بغرض كسب الشهرة والسلطة الرمزية داعيا إلى عدم الخلط بينهما دفعا للبلبلة والتشويش. ويتمثل رابع هذه الأصناف في كلام الباحثين في مختلف علوم الدين ويعاملون وفق قواعد العلم لذلك وجب أن يكون للهيئة العلمية منبر علمي محكم يبسط رأيه في كل ما ينشر ويقال، أما خامسها فهو كلام المتشددين الحرفيين، ويتمحور واجب العلماء إزاءهم في التقرب من هؤلاء واستعمال أسلوب المناظرة الشافية من أجل إقناع من هو صادق منهم بعدم سنية التشدد وعدم شرعية طرائق الإكراه، أما سادسها فهو كلام أصحاب تصورات مغالية في الدين لا تؤيدها توجيهات الوحي والسنة ولا تصدقها تجارب التاريخ، والسابع كلام أهل الأذواق والرقائق التربوية التي تحاذي أهل الكتاب والسنة، أما الثامن فهو كلام طوائف عديدة من الهواة المحسوبين على الفكر أو التاريخ أو الإعلام، وشدد المحاضر على أنه بقدر ما يتوفر لهم الاطلاع والتحري يكونون أقدر على نشر الثقافة المرتبطة بالدين ويقل ضرر استعمالهم مادة لها حرمة عند عموم الناس. أما تاسع أصناف المتكلمين في الدين حسب المحاضر فهو كلام المتجرئين على الإفتاء وإن لم يؤهلوا لذلك ولم ينتدبوا له والمعاملة الملائمة لهم هي قيام العلماء بتربية الناس على تمييز مواقع هؤلاء المتجرئين والتعرف على خلفياتهم وأغراضهم وأمراضهم والتصدي بالدليل والحجة لمن يتوجب الرد عليه منهم. والعاشر هو كلام الخائضين في القنص المذهبي باستهداف عامة الناس وهو عمل لم يرضه السلف لأنه يندرج في الفتنة ويعالج أمره بتدابير حفظ النظام وعمل التوعية من طرف العلماء. وآخر هذه الأصناف هو كلام أشخاص ذوي مشاريع تزعمية يسعون إلى استغلال الدين لما له من جاذبية وتأثير، علما أن الدعاية لا يمكن أن تتستر بالدعوة دون أن يكون في الأمر غش للأتباع وتغرير بهم حيث إنه لا داعي للتخفي ما دام كل إصلاح يمكن أن يلتمس في مجتمعنا بشكل مفتوح وبشرعية سياسية، ومن ثمة – يقول التوفيق- فإن الورع يوجب الابتعاد عن هذا المطمح لما فيه من ضرر بالسياسة أكثر مما له من إساءة للدين. وبخصوص القضية المركزية التي ينبغي أن يدور حولها كل كلام تربوي في الدين، قال التوفيق إن التوحيد هي القضية المهيكلة للخطاب في القرآن الكريم برمّته، والتي لا يتم بلوغ الفلاح إلا على أساس التحلي بمضمونها. وأبرز المحاضر أن موعظة لقمان لابنه تمثل، في القرآن، الدرس التطبيقي النموذجي الموضح لمباحث الوعظ انطلاقا من هذه القضية المركزية، مشيرا إلى أنها تلخص المنظومة النموذجية لكل القضايا التي شاء الله أن تؤطر كل حديث قويم في الدين، باعتبارها شاملة لأصول الشريعة. وأضاف أن المحللين لنمط حياة ما بعد الحداثة كما يعيشه العالم اليوم سيتعجبون إذا تدبروا الحمولة التوجيهية لموعظة لقمان لأنها تقدم نمطا للسلوك يقع على النقيض من هذا النمط مشيرا إلى أن من الخسائر أو الانحرافات التربوية التي مني بها المسلمون في تاريخهم الديني عدم تركيزهم على التوحيد في معناه الوجودي المتمثل في تحلي الذات وجمع الضمير وحضوره الذي يتأتى به للإنسان السيادة على نفسه، بل اختزلوه وجعلوه مطارحة كلامية فكرية تتناول صفات الله . أما الآفة الثانية في ثقافة ما بعد الحداثة فهي اللامبالاة، حيث انتهى أو كاد ينتهي العهد الذي كانت فيه ايديولوجيات عهد الحداثة تعبئ الناس لمشاريع فكرية أو اجتماعية، ويقابل سلوك اللامبالاة في موعظة لقمان الدعوة إلى المعروف والنهي عن المنكر. ومن النتائج السلبية للامبالاة على المجتمعات الديمقراطية، يضيف المحاضر، أن الدين عاد يعبئ للمشاركة السياسية حساسيات دون غيرها قد يكون بعضها متطرفا بينما يمكن للمجتمعات الإسلامية أن تنفلت مجموعة من هذا الاختلال إذا اعتبر الجميع أن التعبئة من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم إن من سمات مجتمع التوحيد أنه مجتمع الشكر. و تتمثل الآفة الثالثة، يضيف المحاضر، في النرجسية وأنانية الفرد المركز على شخصه. وأكد أنه لا بد من الإقرار بأن القول في الدين لتغيير شيء ما في حياة الناس ينبغي أن ينصرف إلى أصل المشكلات وإلا غرق في الفروع والجزئيات مضيفا أن أصل المشكل كامن في أن العصر يرد كل قضايا الانسان إلى العلاقة بالحياة المادية وبمعاييرها الاقتصادية. وشدد على أن المطلوب من المتكلم في الدين أن يمد الناس بالدواء الأصلي لا أن يضيع بهم في متاهات أعراض القضايا، فإذا ردهم إلى الله الواحد تحكموا في سيرورة العجلة والتكاثر، مما يمكنهم من الانخراط في منطق التحرر.
المصدر: و م ع نشر في التجديد

