ثم لنمضي أبعد من ذلك، ونفترض أن المسلم لم يأخذ بالضرورة بفتوى بن حماد، وفضل أن يأخذ بالعزيمة لا بالرخصة، أين المشكلة؟ وهل تشبث المسلم بدينه يعني بالضرورة الغلو في إظهار التدين والانتماء، وتكريس صورة المسلم الذي يدافع عن هويته بطريقة تلغي الآخر ولا تحفل بنسج خيوط التواصل، وتبرع في اصطناع التعارض والافتراق؟ ولماذا لا نطرح الأمر معكوسا، ونقول بأن على الغرب الذي يؤمن بقيم الاختلاف والتسامح أن يبعد الخمر (الخلافية) في لحظات التعايش (الطعام)، وأن يتيح مكانا خاصا لشربه بالنسبة إلى أبنائه في حالة وجود المسلمين تأدبا ولياقة وتعايشا وتسامحا. وهو الأمر الذي يحصل في كثير من المؤتمرات التي تقام في الغرب، ويفعل ذلك فيه المنظمون انطلاقا من تفعيل مبدأ التعايش والاختلاف. فهل يلزم المسلمون فقط بمبدأ التسامح، ولا يجب في حق غيرهم. إن المنطق وحجج العقول عند التعارض في سياق التسامح ترجح إعمال مبدأ عدم إحضار الخمر في مائدة يوجد بها مسلمون، ما دامت هناك إمكانية للغربي أن يشرب الخمر في مكان آخر في اللحظة ذاتها، هذا هو عين التسامح، ومعلوم في قواعد المنطق والأصول أن الجمع بين المصلحتين خير من اطراحهما أو اطراح أحدهما، فإن كان ممكنا للغربي ألا يحضر الخمر في موائد يشترك فيها مع مسلمين تقديرا لدينهم وتسامحا، مع إمكانية أن يفعل ذلك في مكان آخر بعيدا عنهم، فهذا أحسن من فرض الخمر على المسلمين ووضعهم في الحرج. هكذا يقول العقل، وهكذا تقول حججه. أما الذين يريدون أن يعفوا الغرب من هذا السؤال مع منطقيته، ويلقوا سؤال التسامح فقط في شباك المسلمين، ويطلبوا منهم وحدهم أن يتسامحوا، وإن لم يفعلوا ذلك، فيوصفون بشتى أصناف التهم (إلغاء الآخر، اصطناع التعارض والافتراق، الغلو في إظهار الدين..)، وهذا لعمري هو التطرف بعينه، إذ التطرف في اللغة هو ميل إلى أحد الأطراف وعدم استحضار التوازن بين الطرفين في القضية.
إن الإنصاف يفترض أولا أن يتناول الساسي الفتوى بجميع تفاصيلها وهو ما لم يفعله إذ انتفى جزءا منها، و أبطل مقصودها وخلاصتها، وعليه أن يبرر للقراء مسعاه الانتقائي هذا ولأي هدف فعله، ثم يفترض ثانيا أن يضع المبادئ التي يحتكم إليها، ومنها التسامح على قاعدة التوازن بين طرفين: طرف مستضيف وهو الذي عليه أن يتحلى فوق التسامح بقيم الضيافة ويحترم في ذلك مبادئ دين المضيف، وطرف يفرض عليه دينه أن يتجنب الخمر ومجالسها وموائدها. المشكلة أن الساسي يغض الطرف مطلقا عن الغربي الذي يضع الخمر على مائدة فيها مسلمون دون أن يتحدث بكلمة عن التسامح ومقتضياته في هذه الحالة، بينما يوجه سيفه وحججه الواهية إلى الطرف المسلم الذي كلف نفسه حرصا على قاعدة مصلحة التعايش المشترك أن يجد عند الضرورة الشرعية مخرجا من دينه يتيح له مشاركة القوم مع الحرج الذي يجده في صدره. اللهم إن حجج العقول قد استوفت أغراضها إن كان الساسي يملك ذرة منها في استدلاله. 3 أما فتوى زيارة النساء الحوامل لطبيب: فكان فيها الساسي في قمة شطحاته وارتباكه. والغريب أن السؤال الذي قدم للمفتي تضمن متنه تمييزا بين الرجل والمرأة، لكن الساسي لم يصححه ولم يقف عليه، بل لم ينتبه إليه. فكيف يغيب عنه، وهو المعني برفع التمييز بين الرجل والمرأة ألا يعلق على الادعاء الوارد في السؤال من كون الطبيب الرجل أكفأ من الطبيبة مع أن قاعدة جوابه وانتقاده للفتوى قائمة على مبدأ عدم التمييز؟ أما فتوى الأستاذ عبد الرزاق الجاي فقد وضعه الساسي في مواجهة نص موجود في القانون الجنائي المغربي (الفقرات المضافة إلى الفصل 431) مع أن الفصل المذكور يعني الذين يقدمون المنفعة أو أداء الخدمة أو عرض عمل، ولا يعني الأسرة التي يحق لها أن تختار الطبيب الذي ترتاح له، خاصة عندما يتعلق الأمر بكشف أعضاء حميمية من جسم المرأة أو الرجل. فالثابت أن جسم الزوجة وأعضاءها الحميمية هي جزء من حق الرجل عليها، كما أن جسد الرجل وأعضاءه الحميمية هي جزء من حق المرأة على الرجل، فكيف يسوغ الساسي منع الأسرة من ممارسة حقها، بل كيف يسوغ له أن ينتقد شيئا يدخل ضمن القضايا الحميمية الخاصة بالأسرة. إنه لا أحد تحدث في الفتوى عن الإغراء والإثارة ولا عن الاشتهاء واللذة، ولا أحد طعن ولا اتهم سلوك الأطباء، ولذلك فإيراد هذه القضايا في مقالة الساسي هو محض تعسف وإقحام. كل المسألة، أن كشف عورة الزوجة أو الزوج هي مسألة حميمية، ترتبط بحقوق الزوجين. وإذا أصرت الأسرة بمنطق ديني أو حقوقي على تطبيب الزوجة الحامل لدى طبيبة فهو اختيار الأسرة لتحصين لحقهما، كما أنها لو اختارات عدم كشف عورة الزوج أمام طبيبة فهو اختيارها وتحصين لحقوقهما الحميمية، وإذا كان مدخل الدين في ذلك أن يرعى هذه الحقوق ويحصنها بمنطق شرعي، فأين وجه التمييز في أن تتوجه النساء خ في حالة اشتراط كشف العورة – إلى طبيبات ذوات كفاءة- وأن يتوجه الرجال – في حالة اشتراط كشف العورة – إلى أطباء ذوي كفاءة، ما دام الشرع يفتح إمكانية الاضطرار في وجه الأسر للتداوي عند الطرفين معا من غير اعتبار لحال. يكفي أن الفتوى لم تدع الأسر المغربية إلى ترجيح الطبيبة لجنسها، وإنما استحضرت وجود الطبيبات ذوات الكفاءة، ويكفي أن الفتوى انتقدت وهم التمييز بين الذكر والأنثى في الكفاءة في سؤال المسيتفتي وهو ما لم يفعله الساسي، واعتبرت التعلل بقضية كفاءة الرجل في الطب في هذا التخصص دون المرأة لا معنى له، يكفي هذا لتأكيد حرص الفتوى على نبذ التمييز بين الجنسين، وتأكيدها في المقابل على ضرورة تحصين الحقوق الحميمية لكل من الرجل والمرأة. إننا لو سايرنا منطق الساسي في تحليله، واعتبرنا أن الأصل في مثل هذه المسائل هو أن يختار المريض الطبيب لاقتناعه به ولكفاءته ولارتياحه له، فإلى أي حد يمكن أن تحصل راحة المريضة المسلمة وهي تعتقد أن انكشافها أمام طبيب رجل في غير ضرورة هو شيء محرم شرعا، بل وكيف سيكون هذا الارتياح ومعظم المغاربة، بل وغالبيتهم تربط الشفاء بالله، وتعتبر الطبيب مجرد سبب مسخر من الله في ذلك، كيف يمكن أن يحصل هذا الارتياح وهي تعتقد أنها تخالف بانكشافها أمام طبيب رجل شرع الله وتضر بمصلحة الزوج، والمثال صحيح في حالة الرجل أيضا. ثم إن الأمر لا يتعلق بتشجيع نوازع الذكورية في علاقة الرجل بالمرأة، وإنما يتعلق برعاية الحقوق الحميمية المشتركة، فالمثال لا ينسحب على النساء، كما يبدو للأستاذ الساسي، وإنما يمس أيضا الرجال، فكشف العورة هو أمر يخصهما معا، وهو حق لهما كامل الحرية في تدبيره وتحصينه، وإذا كانت القواعد القانونية والأخلاقية والإنسانية تلزم الطبيب بمداواة أي مريض كيفما كان جنسه أو دينه لضرورة الحفاظ على الحياة والصحة، وتجرم أي امتناع له عن ذلك بسبب التمييز، فإن المريض ليس ملزما بهذه القواعد، فله كامل الحرية في اختيار الطبيب الذي يرتاح له سواء بدافع من تحكيم كفاءة الطبيب، أو علاقته به، أو اقتناعه به، أو مجرد ارتياحه له، أو لاعتبار ديني حينما يتعلق الأمر بالحفاظ على حق من حقوق الزوجين. وأي محاولة لإلغاء بعد من هذه الأبعاد هي في حقيقة الأمر قفز على الواقع وممارسة للتحكم في شأن يدخل ضمن صميم حقوق الأسرة المغربية.
المصدر: بلال التليدي نشر في التجديد

