هناك لحظة مفارقة تثير مزيدا من القلق، إذ في الوقت الذي تم فيه افتتاح كازينو مازاكان وتم الترويج له إعلاميا من خلال إفراد قناة التلفزيون الفرنسي الأولى حلقة برنامج كم يكلف بتاريخ 15 نونبر 2009 للدعاية له ولمنتوجاته والاستثمارات الضخمة التي صرفت فيه، والاحتفال الكبير الذي حظيه افتتاح هذا الكازينو بحيث تم تقديم أزيد من 2600 قارورة خمر مختلفة الأشكال، في هذا الوقت بالذات، لم تعبر معظم مؤسسات المجتمع المدني عن قلقها من التحديات التي يشكلها فتح هذا الكازينو لاسيما ألعاب القمار والآثار الاجتماعية التي تخلفها. فبحسب أسبوعية لوجورنال التي قدمت في عددها الأخير ملفا مستوعبا في الموضوع، فإن الكازينو يضم 50 لعبة من مختلف الأنواع ما بين بلاك جاك وبوكير، و 415 آلة خاصة بالنقد، وهذه الألعاب والآلات تستهدف مختلف المستويات الاجتماعية، وتتيح الفرصة للجميع بشتى مستويات دخلهم للعب ( من 50 سنتيما إلى 50 درهما إلى 200 درهم و 400 درهم)، ويمكن أن يصل الأمر إلى مبالغ مالية خيالية.
من خلال هذه المعطيات لا يبدو أن الأمر خاص بالزبناء الأثرياء كما يعكس ذلك حجم الاستثمارات التي بذلت في إنشاء هذا الكازينو، وكذا الثمن الباهض المخصص للغرفة الواحدة والذي يصل إلى 9000 أورو لليلة الواحدة، وإنما التحدي يصل إلى حد توسيع دائرة الاستهداف ليشمل شرائح متعددة الدخل الفردي يمكن أن تنخرط في لعب القمار التي يتيحها هذا الكازينو. طبعا، لا حديث في الأوساط الرسمية، خاصة لدى المسؤولين عن القطاع السياحي في الكغرب، إلا عن حجم هذا الاستثمار وتنشيط القطاع السياحي والعائدات المالية التي يمكن أن تحصل من ورائه، فالتقديرات التي يتحدث عنها مسؤولو المحطة تضع رقم 6 آلاف زبون يوميا و 4 ملايين زبون سنويا من المغاربة ومن الأجانب، لكن التحدي الأكبر الذي يغمض المسؤولون الرسميون عنه الطرف، ولا تنشغل مؤسسات المجتمع المدني بخطورته، هو حجم الضحايا من هؤلاء الملايين الأربعة سنويا، والآثار الاجتماعية التي سيخلفها هذا الكازينو. كان المفروض في مقابل البرنامج الذي بثته القناة التلفزية الفرنسية الأولى بعنوان كم يكلف؟ أن يطرح المجتمع المدني المعني بالحفاظ على النسيج المجتمعي وتضامنه وعافيته، سؤالا مقابلا يتعلق بالكلفة الاجتماعية لهذا الكازينو، وحجم الضحايا التي يتوقع أن يخلفها سنويا، والآثار الاجتماعية الكارثية التي تحل بالأسر وبالعلاقات الزوجية، وبوضعية الأبناء وتمدرسهم، والوضعية الاقتصادية للأسر المغربية. يبدو أن الحاجة أضحت ملحة، إن لم يكن المسؤولون الرسميون يكترثون بالمقاربة الاجتماعية، أن يتحمل المجتمع المدني مسؤوليته كاملة، وأن ينخرط في نقاش حقيقي مشفوع بدراسات ميدانية حول الآثار الاجتماعية التي تخلفها مؤسسات القمار المتخفية وراء الاستثمارات السياحية.
المصدر: بلال التليدي نشر في التجديد

