منذ الكشف عن ما سمي بخلية تطوان ذات السبع وعشرين شخصا في بداية سنة ,2007 اتسمت عموم الخلايا المعلن عن كشفها من قبل الأجهزة الأمنية بارتباطها بقضية التجنيد للعراق أوالعلاقة مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بالجزائر ، أو توجهها للقيام بعمليات في الخارج أكثر منها أهداف محلية داخلية، وتطور الأمر بشكل كبير هذه السنة، والتي أكدت هذه السمة،باستثناء حالة شبكة بليرج، مما يكشف عن تحول كامن في البنية المغذية لهذا التوجه. فقبل خلية غشت المسماة بشبكة فتح الأندلس؛ والتي أعلن عن إلقاء القبض على 15 فردا منها، أعلن في بداية يوليوز الماضي عن تفكيك خلية من 35 شخصا وتقديما للمحاكمة، وذلك بتهمة التجنيد للعراق وإرسال 30 شخصا إليه، فضلا عن ثلاثة توجهوا إلى تنظيم القاعدة بالجزائر ، وسبقها في ماي الماضي عن تفكيك خلية من 11 شخصا كانت تستهدف القيام بهجمات في المغرب وبلجيكا، ونقلت وكالة الأسوشيتد بريس أنها مرتبطة بشبكات لنقل متطوعين إلى العراق وإلى معسكرات تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في الجزائر ، وفي نونبر 2007 صدرت أحكام في حق مجموعة من أربعة أفراد تزعمها شخص من أصل تونسي اتهمت هي الأخرى بالتجنيد للعراق ومحاولة تشكيل خلية بالمغرب، وبتزامن مع ذلك كانت الأحكام قد صدرت في خلية تطوان الخاصة بالعراق في يونيو ,2008 وتراوحت بين سنة وثمان سنوات. ماذا يعني ما سبق، وهل يخفي التضخم العددي للخلايا مؤشرات إيجابية؟ أولا، أن هناك توسعا متناميا في عدد الملاحقين المرتبطين أساسا بمشاريع التجنيد للعراق، والذين أصبح عددهم في حدود المائة، وذلك في الوقت الذي يتقلص فيه عدد المتابعين في ملفات تفجيرات 16 ماي وما بعدها، بحيث إن السنة الجارية لم تعرف الكشف عن أية خلية محلية موجهة لأهداف محلية صرفة. ثانيا، أن الخلايا المعلن عنها تفتقد إلى الرابط التنظيمي المحلي رغم ادعاء الأمن بوجود ارتباطها بالقاعدة في الجزائر أو بالعراق، وهي في هذه الحالة إما اتخذت صيغة التنظيم العنقودي المحلي، أو إنها فقط مجموعات يتزعمها أفراد وتربط الاتصال بالقاعدة في الخارج، والاحتمال الثاني هو ما ترجحه ما كشفته المحاكمات التي تمت، والتي برز من خلالها أن الخلايا المفككة هي في وضعية تأسيس أكثر منها في وضعية نشاط متقدم، وأن فعلها الميداني يهم التعبئة والتجنيد أكثر منه تنفيذ برنامج محدد من العمليات، وهو ما يؤكد أن المغرب هو إزاء خلايا بعناصر محدودة وليس تنظيما ممتدا، بالرغم من انتشار أفراد هذه الخلايا على مستوى التراب المغربي ككل ليشمل مجال تحركها مدنا في الشمال والصحراء والوسط . ثالثا إن غالبية المعتقلين هم من غير المفرج عنهم في ملفات ما بعد تفجيرات 16 ماي، بالرغم من كون المفرج عنهم تعدوا المئات من الأشخاص، وهو مؤشر يخالف المؤشر الذي ظهر بعد تفجيرات مارس- أبريل 2007 والتي اعتقل إثرها 12 شخصا من المفرج عنهم، أو ما سمي بخلية أنصار المهدي، والتي شملت من سبق الإفراج عنه كذلك، وهذا تطور دال؛ خاصة بعد أن توقفت عملية منح العفو كجزء من سياسة لجبر الضرر واحتواء الآثار السلبية للانتهاكات الحقوقية التي عرفتها ملاحقات ما بعد تفجيرات 16 ماي، وأدت إلى اعتقال ما يناهز ثلاثة آلاف شخص. رابعا، إن العوامل المغذية لهذا النمط الجديد من الخلايا عوامل خارجية، ترتبط باستمرار الاحتلال الأمريكي للعراق ونشاط تيارات مقاومته، وتصاعد الفعالية الدعائية لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ، ثم تقدم النشاط الأمريكي العسكري في المنطقة المغاربية واعتباره الصحراء ملاذا آمنا للقاعدة ينبغي تكثيف الوجود فيه، ورابعا فعالية الحرب الاستباقية الأمنية في الحيلولة دون تشكل تنظيم محلي على الشاكلة الجزائرية ، وهي عوامل ستجعل من بروز هذه الخلايا واردا في المستقبل، لاسيما وأن التنامي العددي لهذه الخلايا يدفع إلى بروز مغاربة العراق داخل السجون كنمط جديد للمعتقلين، يصبح معه موضوع السلفية الجهادية متجاوزا. تفضي الخلاصات الأربع إلى وضعية جديدة في خريطة الفكر الجهادي بالمغرب، تتراجع معها فعالية السياسة المتبعة، والتي لن تتمكن في أحسن الحالات سوى من معالجة نتائجها أما مسبباتها فهذه مؤجلة، لكن إلى متى؟
المصدر: مصطفى الخلفي نشر في التجديد

