نادرا ما نجد أناسا يتحلون بشيمة السماع للآخرين، شيمة فقدها الكثيرون، وضاعت وسط الجري وراء لقمة الخبز، إلى أن وجد الكثيرون أنفسهم ضائعين وسط كم من الصراعات والنزاعات، جعلتهم ينسون أنفسهم، وينسون من يحبون وحولت حياتهم إلى لعبة مملة. جعلتهم ينسون، عفوا بل يتناسون أن الحياة حب وود ورحمة، وليست جري وراء جمع الأموال فحسب. فكثير من الآباء عاشوا حياتهم في البحث عن الكسب والجري وراء الرزق وكرسوا كل جهودهم لذلك، ولطالما كانوا من البارعين في الحسابات والتجارة الرابحة، لكن مع الأسف وجدوا أنفسهم من أكبر الخاسرين رغم الكم الهائل الذي جمعوه من الأموال، لأن لعبة الربح والخسارة ليست في المال فقط، لكنها في المشاعر الإنسانية وفي العلاقات مع الأبناء. وهذا حال سعيد الذي أسعده الزمن بالربح المتواصل في عمله. كرس حياته كلها للرفع من مستوى عيشه، وفي عز شبابه تحول إلى واحد من أكبر أغنياء مدينته، ففكر في الوصول إلى السلطة كي يثمن رحلة حياته، ولحسن حظه فحساباته دوما كانت دقيقة ورابحة، لكن الحياة ليست دوما ربحا بل أحيانا رغم ما يجمعه الإنسان من مال يمكنه من شراء أي شيء حتى أعراض بعض ذوي النفوس الضعيفة،لا يستطع أن يشتري حب أبنائه، ثلاثة أبناء لم يعد يجمع سعيد بهم غير الاسم، ذلك الاسم الذي حرص كثيرا على الرقي به، لكن بالمال والسلطة وليس بالحب والمودة التي انتزعت من قلبه منذ أمد بعيد، منذ أن غاب عن جنازة والدته وقطع علاقته بالبقية من إخوته ونسي كل شيء عن والده. وها هو اليوم يجد نفسه وسط خضم من المتاعب لا حسرة له، فالغنى لم يبخل عنه بشيء حتى من مرض الأغنياء، واليوم بعدما خارت قواه ووصل السبعين سنة من عمره، وجد نفسه قد ضيع كل شيء وأهم شيء. إنه حب أبنائه، الذين انشغلوا بدورهم بالجري وراء جمع المال، وكرروا نفس الخطأ الذي وقع فيه والدهم منذ سنوات، منذ أن قطع كل حبال المودة مع إخوته ووالديه، منذ أن بدأ يخطو أولى خطوات النجاح في حياته، ذلك النجاح الذي لم يكن سوى بريقا لصورة مزيفة، جوهرها قلب متحجر. وجد نفسه في آخر المطاف يعترف أنه كان من أكبر الخاسرين حينما فقد حب أبنائه، وعلمهم أن قسوة القلب والمال والسلطة هي أقوى سيف يمتلكه الإنسان، وكان هو أول المذبوحين به حينما وجد نفسه وحيدا على سرير الموت يحارب داء السرطان، دون أن ينعم ولو بنظرة أو لمسة حب من فلذات كبده.
المصدر: سميرة أيت امحند نشر في التجديد

