لا يجد الإسرائيليون والأمريكيون أدنى حرج في اتخاذ الكثير من الإجراءات الكفيلة بتوفير فوز معقول لحركة فتح، ومعها عدد من القوى التي تقترب من برنامجها السياسي، وبالطبع على خلفية المخاوف من فوز كبير لحركة حماس، إذ لا قيمة هنا لكل تلك التصريحات التي تتحدث عن تراجعات من قبل هذه الأخيرة وقبول من طرفها لمنطق التفاوض مع الإٍسرائيليين، الأمر الذي نفاه عدد من قادتها المهمين (جرى التركيز على تصريحات مرشح القدس محمد أبو طير، وهو رجل بعيد عن المطبخ السياسي للحركة، فيما تم تجاهل عشرات التصريحات الأخرى لقياداتها الأخرى). وفي العموم فإن ما بين حماس وبين القبول بطروحات فتح المتعلقة بأوسلو وخريطة الطريق زمن لن يضيعه الإسرائيليون في مغامرات غير مضمونة بحال.
من هنا كان لا بد من حراك سياسي وميداني يسعى إلى فرض نتيجة مختلفة للانتخابات لا تسمح لحماس بتخريب اللعبة، أو حتى تعطيلها، ومن هنا جاءت الخطوات الكثيرة المتعلقة بدعم حركة فتح، وبما لا يقل أهمية دعم آخرين في الساحة يمكن أن يحصلوا على نسبة من المقاعد تتحالف مع فتح عند التصويت على المسار السياسي. يعرف الفلسطينيون أن ثمة كتلاً انتخابية ممولة بالكامل من الأمريكيين ومن الأوروبيين، بل إن فائضاً كبيراً سيدخل جيوب رموزها بعد تمويل الحملة الانتخابية، لكن الموقف بالنسبة لحركة فتح لا يتوقف عند حدود التمويل، ( لا قيمة تذكر لما كشفته نيويورك تايمز بشأن مبلغ سخيف (مليونا دولار) قدمت لدعم أنشطة تساعد السلطة في كسب أصوات الناس) بل يتجاوزه نحو سلوك سياسي وأمني له دلالاته التي لا تخفى على المعنيين، وقد كان القرار الإسرائيلي بمنع مرشحي حماس من الدعاية الانتخابية في القدس نموذجاً حياً لهذا السلوك. أن تسكت الدوائر “الديمقراطية” الأمريكية والغربية على حكاية تصويت رجال الأمن قبل الناس في دوائرهم الخاصة، فلذلك دلالاته المهمة أيضاً، إذ لم نسمع من قبل عن شيء كهذا في أية انتخابات مشابهة، فيما يعرف الجميع أن جميع تلك الأصوات ستجير لصالح حركة فتح بصرف النظر عن قناعة المصوتين، بل حتى أورااقهم الانتخابية، مع أن شرطياً لن يضحي برزق عياله من أجل التصويت لحركة حماس؟! بعد هذه الخطوة الإشكالية التي سكت عنها المراقبون الدوليون، فيما نددت بها لجنة الانتخابات الفلسطينية قبل أن تسكت هي الأخرى، جاء الظهور الإعلامي لمروان البرغوثي خلافاً للقوانين الإسرائيلية بشأن أسرى المؤبدات، فيما سبقه السماح له بالتواصل اليومي مع قادة فتح من أجل ترتيب القائمة الانتخابية، وقد كان ظهور الرجل مدروساً حيث قدم خطاباً مقاوماً ووحدوياً في آن يليق بأسير في سجون الاحتلال، ما يعني أن ما جرى سيصب من دون شك في صالح حركة فتح. ترى هل يمكن للسلطات الإسرائيلية أن تسمح لمرشحي حماس الأسرى مثل محمد جمال النتشة، بطل الخليل الأروع أو جمال أبو الهيجا، رمز مخيم جنين، أن يظهرا على الجزيرة كي يتواصلا مع الشارع الفلسطيني؟ كلا بالتأكيد!! الصحف الإسرائيلية تتحدث عن خطوات أخرى اتخذت وستتخذ من أجل دعم السلطة خلال اليومين الأخيرين قبل الانتخابات، وهي ستصب من دون شك في ذات الخانة المتعلقة بالسعي لضمان فوز معقول للحزب الفلسطيني الحاكم حتى لا يضطر الإسرائيليون إلى المواجهة مع شريك أصولي متطرف. والحال أن ما قاله البرغوثي في حديثه “المتلفز” كان صحيحاً إلى حد كبير، أعني ما يتعلق برفض الإسرائيليين للشريك الفلسطيني، أكان محمود عباس أم محمود الزهار، لكن الثابت بالمقابل أنهم يريدون من يقبل التنسيق معهم رغم عدم الاعتراف به كشريك. ألم تقدم السلطة قارب النجاة لشارون عندما وافقت على تنسيق الانسحاب من القطاع معه؟ هل تذكرون ما قاله صائب عريقات عن تهديد شارون لعباس بمصير عرفات إذا رفض تنسيق الانسحاب من القطاع معه؟!
المصدر: ياسر الزعاترة نشر في التجديد

