السيد رئيس تحرير جريدة “التجديد” المحترم، تنشر جريدتكم في سلسلة أسبوعية بعنوان “عين الحكمة” مقالات للسيد بلال التليدي ينتقد فيها مجموعة من المفاهيم الإسلامية الشائعة. وإن كنت لا أعترض على فكرة عدم قدسية المفاهيم، وعلى جواز طرح كل الأفكار على بساط النقاش بشرط التقيد بقواعد اللياقة والموضوعية والدوران مع الحق حيث دار، أقول برغم كوني لا أعترض على هذه الفكرة، إلا أن متابعة ما يكتبه السيد التليدي يجعل سؤالاً يقفز إلى الذهن بكل إلحاح، هو:
ما سبب إعطاء الأولوية لنقاش هذه المفاهيم الإسلامية التي وإن كان يعتريها شيءٌ من سوء الفهم فهي تبقى مفاهيم إسلامية مرتكزةً على تراث فقهي معتبر، في حين تغصُّ الساحة الفكرية بعشرات الأفكار الضالة المنحرفة التي لا تمت إلى الإسلام بصلة، والتي تشكل تهديداً فكرياً يبلغ أضعاف أضعاف ما تمثله تلك المفاهيم الإسلامية موضع النقاش؟ سؤال محير كم نود أن يجيبنا عليه السيد التليدي. إلا أنه وبغض النظر عن التفسير الذي يمكن أن يطرحه، أرى أنه قد جانبه الصواب في بعض ما طرحه خصوصاً في معرض نقاشه ل “في مفهوم الحق” (عدد التجديد ليوم الأربعاء 07/12/2005، ) حيث يقول: “الحق والباطل مقولتان عقديتان تفصلان المعتقدات والتصورات الوجودية إلى أهل إيمان… وأهل كفر، ولا يجدر بها أن تتجاوزه إلى غيره، لأن … عناصرها لو أنها انسابت إلى فضاء آخر مغاير لأحدثت كوارث في الفكر والسلوك…، ففروع الدين، وموارد الاجتهاد فيه لا تقتضي فقط منع هذه الثنائية للتسرب إلى فنائه، وإنما تقتضي الإجماع على جعل المستعمل لها في هذا الحقل فتاناً للأمة، مفرقاً بين مكوناتها، مهدداً لنسيجها، مزعزعاً لوحدتها”. إن هذا الكلام خطير وباطل، لأن مقياس الحق والباطل عندما يُستخدم بشروطه يكون مقياساً عاماً في كل ميادين العمل والقول. والحكم عليهما (القول والعمل) لا يخرج عن وصفهما بالحق أو الباطل، ولا يجوز أن يبقى القول أو العمل معلقاً دون إصدار حكم عليهما، لأن الاختيار ضرورةٌ حياتية، والحق والباطل صنوان للخطأ والصواب، فالخطأ باطل والصواب حق. إن حظر إصدار الأحكام على الإبداع والنظر والاجتهاد في فروع الشريعة وغيرها هو إغلاق لباب النقد والاعتراض على الخطأ، وليس فتناً للأمة وزعزعةً لوحدتها كما يدّعي السيد التليدي، بل هو مدعاةٌ لازدهار الإبداع والاجتهاد. وعدم الاعتراض هو جمود وتزكية لبعض الأعمال والأقوال الباطلة أو الخاطئة. ألم تر كيف تعدد الاجتهاد وتنوّع في القديم بسبب أن المجتهدين لم يقبلوا كثيراً من اجتهادات من سبقوهم مع كونهم من فحول المجتهدين؟ وما ينطبق على الاجتهاد ينطبق كذلك على الإبداع، فنظريات وأقوال النقاد هي التي تدفع الإبداع إلى الأمام وإلى الازدهار. والسؤال هنا إذا كان إصدار الأحكام بالحق والباطل ينبغي أن يبقى محصوراً في دائرة العقائد، فبماذا نحكم على الزاني أو السارق أو المرتشي أو عاق والديه، فمن المعلوم أن كل هؤلاء لم يخالفوا شيئاً من العقائد، ومخالفاتهم هي في فروع الدين وليس في أصوله، فهل معنى ما قاله السيد التليدي أنه لا ينبغي لنا أن نحكم على هؤلاء أنهم مخطئون وأنهم على باطل بالرغم من عِظَم جُرمهم، لمجرد أنهم لم يخالفوا شيئاً من العقائد!؟ إن كان الجواب بالنفي أي أنه يجوز بل ويجب أن نحكم بأنهم على باطل، فالقاعدة تنسحب على كل من ارتكب مخالفة شرعية، وإن كان لا يجوز لنا أن نحكم على أفعالهم، فهو فتح للباب على مصراعيه للجميع لمخالفة أحكام الشرع، لا أقول دون عقاب، بل ولا حتى مساءلة ولوم من أفراد المجتمع ما دام أن الحق والباطل لا ينطبقان إلا على العقائد!! لقد استعمل السيد التليدي أربعة أوصاف لمن يحكم بصدق الأقوال والأفعال (أو بطلانها) وهي كونه: 1- فتّان للأمة، 2- مفرق لمكوناتها، 3- مهدد لنسيجها، 4- مزعزع لوحدتها. وهذا لعمري ترهيب فكري يحمل كثيراً من الناس على القبول بالباطل وعدم نقده. والباطل والحق ليسا مقصورين على المعتقدات كما يزعم السيد التليدي، فكل تصرفاتنا العملية يمكن الحكم عليها بكونها على حق أو على باطل. وعلى كل عاقل مخلص أن يبادر إلى وصف الباطل بما يستحقه بجرأة دون تعصب، وأن يشيد بالحق ويُعليَ من شأنه. وإصدار حكم على فعل أو قول بأنه حق أو باطل لا يعني أن هذا الحكم صادق أو صحيح على الإطلاق، ولكن إصدار الحكم ضروري لمسيرة الحياة، تماماً كحكم المجتهد، فهو قد يصادف الحق والصواب، فيكون له أجران، وقد يكون غير ذلك، فيكون له أجر واحد، ولكن عزوف المجتهدين عن إصدار الأحكام هو تجميدٌ للحياة، وتذكر بأن الاجتهاد هو بذل الجهد، بل غاية الجهد للوصول إلى الحق بعيداً عن الهوى. وهكذا يجب أن نمعن النظر ونبتعد عن الهوى عند إصدار أحكامنا على الأقوال والأفعال. والواقع يرينا أنه في لحظة معينة، على الإنسان أن يختار ما اعتقد أو غلب على ظنه أنه صواب وأن يتجنب ما اعتقد أو غلب على ظنه أنه خطأ، وبدون هذا الاختيار تتوقف الحياة. وقد صوّر الإمام الشافعي رضي الله عنه هذا الاختيار تصويراً واقعياً وصحيحاً عندما قال: “رأيي (اختياري) صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”. وجاء في عدد الأربعاء 14/12/2005، في مقال بعنوان “لم يثبت” قوله: “… فكم تكون الكارثة الفكرية والمنهجية كبيرةً لو تم تكفير كل من يدخل البرلمانات ويشارك في الانتخابات ويتحالف مع الأحزاب الاشتراكية أو العلمانية بدعوى أن ذلك لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم”. بعيداً عن الوصف بالتكفير (لأن الحكم بالتكفير شأن عظيم في الدين وله شروطه المغلظة، ولا يصدر إلا عن علماء مجتهدين أو قضاة متضلعين في الفقه) أقول إن الذين يعترضون على الدخول في برلمانات النُّظُم العلمانية أو على التحالف مع أحزاب اشتراكية أو علمانية، لا ينطلق معظمهم من مقولة إن هذا لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم يقدّمون حجةً أخرى، مضمونها أن البرلمانات في النُّظم العلمانية، ومنها الدول العربية، لها قوانين يجب الرضا بها والتقيد بمحتواها كشرط لولوج قبة هذه البرلمانات، وبعض هذه القوانين مخالف للإسلام صراحةً، … لذلك فالاعتراض على دخول البرلمانات هو من باب الاعتراض على الشروط المفروضة مسبقاً لهذا الدخول والتي يعد القبول بالتقيد بها، قبولاً بالتقيد بما يخالف الأحكام الشرعية. وكذلك التحالف مع الأحزاب الاشتراكية والعلمانية يدخل في نفس الحجة السابقة، فهذه الأحزاب قائمة على أسس بعيدة عن الإسلام وأهدافها في معظمها تخالف الإسلام، ويكفي أنها تنادي ليل نهار بفصل الإسلام عن الدولة أي استبعاد الشريعة الإسلامية عن التطبيق، ولا تكُفُّ عن مهاجمة الإسلام في صحفها واجتماعاتها وتصريحاتها، فعلى أي أساس يمكن التحالف مع أحزاب كهذه؟ وما هو القاسم المشترك الذي يجمع بين هذه الأحزاب وحركة ذات توجه إسلامي تعلن أن غايتها النهائية هي تحقيق العدل الذي يقوم على الإسلام عقيدة وشريعة. إذن فالاعتراض مرة أخرى ليس من باب أنه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقدر أنه من باب أن التحالف بين طرفين يقتضي وجود قواسم مشتركة بينهما، وهذه القواسم غير موجودة بين طرفين يقومان على أسس متناقضة إلا إذا قبل طرف بالتنازل عن جزء من أسسه وثوابته لفائدة الطرف الآخر. [email protected]
المصدر: في فقه المعاملات نشر في التجديد

