الرأي الأصولي الذي يميل إلى عدم حجية قول الصحابي أقوى متمسكا واستدلالا، غير أن ذلك لا يمنعنا من النظر في اجتهادات الصحابة بنحو مختلف لا يلتفت كثيرا إلى صورها من حيث كونها إجابة فقهية على جزئية فرعية، وإنما إلى الأسس المنهجية التي كان الصحابة ينطلقون منها في عملية الاجتهاد. وواضح أن منتوج فقه عمر بن الخطاب لم ينل اهتماما كبيرا إلا من حيث كونه ارتكز أساسا على قدرات منهجية كبيرة فعلت مقاصد النص وأدواته الإجرائية ليس فقط لحل معضلات الواقع، وإنما لحل المعضلات المفترضة في المآل القريب والبعيد( الأراضي المفتوحة). فالجمود على الصور التاريخية، والنظر إلى هذه الاجتهادات في علاقتها بالأقضية الفرعية الجزئية لا يمكن أن يراكم تجربة، ولا أن يكسبنا منهجا في الفهم والتعامل مع النص والواقع.
إننا بإزاء طرح جديد، يقترح منظورا وجيها في التعامل مع منتوج الصحابة الاجتهادي يرتكز بالأساس على المعطيات التالية: – لسنا في حاجة إلى اجتهادات السلف من حيث كونها إجابة عن معضلات وأقضية واقعية، ولسنا في حاجة إلى التماس آلية القياس للبناء على أقضيتهم. فالزمن قد تغير، والواقع قد تعقدت معطياته واشتبكت، ومن غير المجدي أن نسحب هذه الاجتهادات المشروطة بتاريخيتها وبسياقها الزمني على واقعنا. سيكون من الغباء أن نراهن على اجتهادات الصحابة لحل مشاكلنا، إن لم يكن من الظلم للصحابة ولمكانتهم الاعتبارية، إذ سيتحول البعض إلى ناقم على شخوصهم ما دامت آراؤهم واجتهاداتهم قد دفع بها ضمن عملية التداول الفكري لمعالجة معضلات لم يتيسر للصحابة أن يلموا بمعطياتها وحيثياتها، بل ولم يعيشوها أصلا. – ينبغي أن يتجه القصد إلى إبصار جوانب المنهجية العلمية التي كان الصحابة والسلف عموما يلتزمونها في عملية فهم النص والنظر إلى الواقع. فتلك المنهجية هي المقصودة لذاتها، وهي التي يمكن أن نبني عليها، ونستصحبها لحل معضلاتنا، وذلك هو المعنى الحقيقي لمتابعة السلف والإقتداء بسنتهم، فالسنة طريقة، والطريقة منهج بالضرورة. – يكون من الأفيد أن تتوجه عنايتنا إلى سؤال الممارسة والخبرة الاجتماعية، حتى نكتشف معالم العقل الاجتهادي الممارس، الذي يبصر الواقع، ويدرك وظيفة النص وقوته الاقتراحية، ويفترض المآل، ويوجهه في اتجاه تغيير الواقع ومعالجة اختلالاته. سيقودنا الاستقراء لا محالة إن تأملنا منطلقات العقل الممارس عند الصحابة، إلى ضرورة استحضار كل المعارف والأدوات الإجرائية التي من شأنها أن تسهم في رفع الحجب عن الواقع، فلقد كانت خبرة الصحابة بالواقع واسعة، إذ كانوا يوظفون كل المتاح التاريخي من أجل تحصيلها ابتداء ثم تنميتها. وتأسيسا على ذلك تكون كل العلوم المعينة في الخبرة الاجتماعية ودراسة الواقع ومكوناته ضرورة ملحة للعقل الاجتهادي المعاصر. – والمهمة الأخطر، هو أن نطهر هذا التراث من النزعات الذاتية التي تشوش على المنهجية العلمية الموضوعية في فهم النصوص. نزعات التشدد والترخص، وشذوذات الفكر والاتجاه، ونزعات الحرفية والظاهرية وغيرها مما يلتصق بالذات والمزاج والطباع ويبعد عن أصول المنهجية وقواعدها. وغني عن البيان أن مثل هذا المنظور الجديد من شانه أن يثير كثيرا ممن ينطلقون من قاعدة عدالة الصحابة الحديثية، فيمططون دلالتها، ويخرجونها عن سياقها ويوظفون منطقها التوقيفي في مجال الرأي والاجتهاد، ويمنعون بذلك أي نقاش علمي لاجتهادات الصحابة وفهومهم. إنهم يعتدون على هذه القاعدة الحديثية، ويمدونها بأسباب القوة حتى ترتفع من رتبتها الطبيعية إلى مراتب القداسة، فيصنفون بعد ذلك، كل من يقترب من توجيهاتهم لهذه القاعدة، ضمن مواقع التشيع، إذ لا يجرؤ على الطعن في الصحابة إلا الروافض كما يذهب إلى ذلك أئمة الحديث. غير أن الناظر البصير الذي يلتفت إلى المعاني والدلالات، ويحصل المفاهيم كما استقرت بأصولها وقواعدها، يدرك أن مناقشة آراء الصحابة وانتقادها والتماس جوانب التشدد أو الترخص في بعضها، ونزعات الحرفية والظاهرية في بعضها الآخر، أو شذوذات الفكر والاتجاه في بعض الأقضية والاجتهادات لا صلة له البتة بقاعدة عدالة الصحابة. ولعل الوعي بهذه القضية سيفتح إمكانية في الفكر الإسلامي لمراجعات كبيرة ولالتماس المنهجية الأصولية العلمية من اجتهادات الصحابة والسلف، ولإبصار البوادر الأولى للانفلات من قواعد الفهم التي أصلها النبي صلى الله عليه وسلم وأوصى بالتزامها. تطهير تراث الصحابة والسلف من النزعات الذاتية سيمكننا بالتأكيد من تلمس المنهجية المقاصدية الكبرى التي فقدنا قدرتها الاشتغالية حين قدسنا اجتهادات السلف، ومنعنا العقل النقدي من طرح السؤال عليها، فضاعت أصول هذه المدرسة وانمحت قواعدها حتى بدأ الحديث عن الإمام الشاطبي باعتباره المنظر والمقعد لأصول النظرية المقاصدية الذي بسط تفاصيلها وأورد أمثلتها وشواهدها. إنني أعتقد وبجزم، أن منهجية الصحابة والسلف هي النظرية المقاصدية الكبرى التي تلتفت إلى العمل والإجراء بعيدا عن قوالب التنظير وحيثيات التقعيد. إننا محتاجون أكثر من أي وقت مضى إلى الإقرار بالسهولة واليسر الذي كان يجده الصحابة في استثمار النص لفهم الواقع وحل معضلاته ومعالجة اختلالاته بسبب تمثل هذه المنهجية المقاصدية عمليا. وأعتقد بنفس الجزم، أن كثيرا من مباحث علم الأصول، خاصة ما يتعلق بشروط القياس ومسالك العلة مما هو مغرق في التجريد هو أبعد عن اليسر والتطبيق، ولا شك أن هذه المباحث أبعدت النص عن مجال اشتغاله، وأفقدته قدرته الحيوية، مما يستدعي طرح السؤال النقدي عليها.
المصدر: بلال التليدي نشر في التجديد

