هل العلاقات المغربية-الإسبانية مقبلة على أزمة جديدة بعد اشهر العسل في العلاقات؟ وهل هناك من يسعى لتأزيم هذه العلاقات من خلال آليات تبدو بعيدة عن المصالح المشتركة للبلدين؟ وهل يكون الانفراج الذي عرفه ملف تسوية المهاجرين السريين من خلال السعي لتسوة أوضاع قطاع كبير منهم وعلى رأسهم المغاربة جوابا داحضا لما سبق؟
تساؤلات طرحت وتطرح على هامش تصفية هشام المنظري ببلدة ميخاس جنوب إسبانيا بداية الشهر الحالي، حيث ترجح احتمال حصول انتكاسة في العلاقات المغربية الإسبانية، بعد التحسن الذي عرفته بمجئ الاشتراكيين الإسبان لتسيير دفة العمل الحكومي بإسبانيا ، وهو ترجيح يرتكز على التسريب الإعلامي لمصادر من المحققين المتابعين لملف تصفية المنظري عن احتمال وجود علاقة لذلك ببعض الاجهزة الأمنية المغربية، خاصة وأنه كان موضوع ملاحقة دؤوبة من لدن خلية استخبارية مغربية تدعى بخلية المنظري، وهي العلاقة المزعومة التي سعت بعض وسائل الإعلام الإسبانية إلى الإشارة إليها، وتحديدا صحيفة لارثون المقربة من الدوائر العسكرية الإسبانية، في عددها في نهاية الأسبوع الماضي، فضلا عن تحول الموضوع إلى مسألة ثابتة في الصحف الإسبانية ومادة دسمة لها، وآخرها ما نشرته إلموندو من نص لحوار لها مع هشام المنظري قبل تصفيته في عددها ليوم أمس الثلاثاء أو تعقب الوالدة البيوليوجية المزعومة للمنظري (لارثون في عددها ليوم 20 غشت الجاري). لقد سبق للارثون ان خصصت في عددها ليوم 17 غشت الجاري موضوعا اعتبرت فيه قضية المنظري الأزمة الأولى لرئيس الحكومة الإسبانية زباثيرو في علاقته مع المغرب وذهبت الصحيفة ابعد من خلال مقارنتها لهشام المنظري بالمهدي بنبركة الذي تم اختطافه سنة 1965 بباريس وتبين تورط أجهزة مغربية في الاختطاف مما ادى لتوتر العلاقات المغربية الفرنسية وتعرضها لازمة حادة استمرت لسنوات، وعناصر التشابه التي يقع الارتكاز عليها هي اشتراكهما في صفة المعارضة الجذرية للنظام السياسي بالمغرب وهناك من يجنح به الخيال ليعتبر القول باستعمال سلاح إسرائيلي من نوع عوزي في تصفية المنظري تكمل سيناريو التشابه وانه اعتبارا لذلك فتورط المغرب ولو من بعيد في عملية التصفية لهشام المنظري تعبير عن الاستهانة بالسيادة الإسبانية. وقد يكشف محاولة عن اختراق مغربي لأجهزة أمنية إسبانية أو تعاملا لبعض أعضائها أو عملائها ومخبريها كما جرى الشأن في ضلوع عملاء للمخابرات الفرنسية في قضية اغتيال المهدي بنبركة، وهي مقارنة أقل ما يقال عنها أن أصحابها يفتقدون للذاكرة عندما يقدمون على المقارنة بين شخصية نضالية انخرطت في الكفاح الوطني وانتقلت بعده للمستوى العالمي، وأبانت في مسيرتها عن كفاءة وفعالية استثنائية في الصراع السياسي، وتحملت نتيجة لذلك تضحيات حقيقية، مما جعل اختطافها مجلبة لتحرك عالمي من لدن العديد من الهيئات وجعل من المستساغ أن تكون سببا في أزمة ديبلوماسية بين المغرب وفرنسا، فضلا عن دور شخصية الجنرال ديغول وتقديره لشخصية المهدي بنبركة في إعطاء الموضوع تلك الأبعاد التي عرفها. الواقع أن قراءة من هذا النوع لا تعدم من يتبناها ويضخم منها كما رأينا في حالة لارثون، وقد يكون ذلك جزءا من عملية كبرى لتقويض التحسن في العلاقات المغربية الإسبانية، والذي تجاوز تسوية الملفات الثنائية العادية كالهجرة والاستثمارات والتعاون الثنائي، إلى الانخراط في بناء دور إسباني جديد لتسوية مشكلة الصحراء المغربية وطرح مشروع صيغة جديدة لخطة السلام الأممية بما يراعي الاعتراضات الجوهرية للمغرب على خطة بيكر الثانية، وبما يعطى يخدم رهان الحوار المغربي- الجزائري حول النزاع، وهو ما ذهب حد التعاطي الإيجابي للمغرب مع قيام مسؤولين إسبان بزيارة مخيمات تندوف والالتقاء بمسؤولي جبهة البوليساريو، وهي مسألة كانت تثير توترات في السابق بين المغرب وإسبانيا ، وهو ما أدى لسلسلة تحركات مساندة للبوليساريو بإسبانيا للضغط على رئيس الحكومة الإسبانية ثباثيرو ودفعه للإلتزام بمواقف سلفه أثنار في دعم خطة بيكر تحت دعوى الحياد المزعوم، واللجوء في ذلك إلى وسائل متعددة آخرها، تحريك ورقة ما يسمى باستغلال الثروات الطبيعية بالصحراء من لدن المغرب واعتبار ذلك مخالفا للقانون الدولي وقبلها الاستغلال الإعلامي لتصريحات القاضي الإسباني في يوليوز الماضي حول وجود مائة خلية إرهابية بالمغرب تشكل تهديدا لإسبانيا ، أي أن التوجه الإسباني الجديد يحمل في طياته تهديدا استراتيجيا لمصالح فئات تبدأ في إسبانيا وتنتهي في الجزائر ، خاصة وأن المتاجرة بقضية المنظري انتقلت لبعض المنابر الجزائرية والتي انخرط فيها بعضها في تشبيهه بالمهدي بنبركة، مما يدفع هذه الفئات القلقة من التقارب المغربي- الإسباني إلى استغلال أية قضية لمصلحة سعيها لتجميد هذا التقارب ومنها قضية تصفية المنظري ، هذا دون أن يجنح المرء لافتراض حصول نوع من التواطؤ أو التورط في عملية تصفية المنظري والاستعداد لاستغلالها بهذا الشكل الذي نراه حاليا، وهو ما يعني أن قضية المنظري ما زالت مرشحة للتفاعل وكشف المزيد من الأوراق الغامضة، ليس على صعيد شخصه ومشاريعه ضد النظام السياسي بالمغرب فذلك أمر لا يرقى لما بدأت الايام تكشفه من العلاقة بين تصفيته وبين إرباك السياسة الخارجية للمغرب، فقضيته لم تنته بوفاته بل بدأت بما قد تكشفه عن ما يستهدف المغرب. مصطفى الخلفي
المصدر: التجديد نشر في التجديد

