في كل أمر.. كل أمر، تأبى أمريكا إلا أن تأخذ موقفاً مزدوج المعيار على الفعل الواحد نفسه. وقد وصل الأمر بها إلى أن تزدوج حتى بالنسبة إلى دماء المدنيين، فما تطبقه على الإسرائيليين لا تطبقه على الفلسطينيين. وهذا اسوأ ألوان المعيار المزدوج حين يصل إلى دماء الناس العاديين.
ويحدث الآن الامر نفسه مع فضائح الصور المشينة في تعذيب العراقيين والعراقيات في سجونها، مع الإهانة وجرح الكرامة وبالصورة والصوت. وذلك لاستخدام الصور في ابتزاز المعتقلين المتوافدين كل يوم وهذا يفسر وجود هذا العدد الضخم من الصور التي وصلت الصحافة واقنية الفضاء. ويمكن أن تضاف السادية والعنصرية والأحقاد كذلك. هنا في التصريحات الرسمية الأولى اعتبرت أحداثاً فردية وشاذة ولا تعبر عن أمريكا وجيشها. والمطلوب أن يتقبل العالم هذا التفسير وأمامه مئات الصور وعشرات الشهادات. وإذا جمعت ستصبح آلافاً ويزيد. أما لو خرجت صورة واحدة أو صورتان عن التعذيب في بلد آخر من البلدان المارقة أو محور الشر فسوف تعتبر دليلاً على أن التعذيب والاعتداء الجنسي والإهانة والابتزاز سمة عامة للنظام كله. على أن المعيار المزدوج للفضيحة جاء عندما اعتبر جورج دبليو بوش نفسه غير مسؤول عما حدث، وأنه يعتذر ويتأسف، وقد كذب حين اعتبر أنه فوجئ وصُدم عندما شاهد الصور. أما دونالد رامسفيلد فقد اعتبر أنه يتحمل مسؤولية ما حدث بوصفه وزيراً للدفاع، وليس بوصفه قد وافق على سياسة التعذيب، فما كان من الممكن أن يحدث هذا التعذيب بكل هذا الاتساع إلا بمعرفة هيئة الأركان ومعرفته شخصياً. وهذا ينطبق على الرئيس الأمريكي نفسه باعتباره القائد الأعلى أو العام للقوات المسلحة الأمريكية . أين الازدواجية؟ تجدها عند اعتبار الرئيس الصربي السابق ميلوسوفتش مسؤولاً عن كل ما ارتكبه جيشه وأجهزته من أعمال اعتبرت في عداد جرائم الحرب، وهو يقدم الآن الى المحكمة الدولية لجرائم الحرب في لاهاي. ثم أفلم يقم بوش ورامسفيلد الدنيا، ولم يقعداها، باعتبار صدام حسين مسؤولاً عن كل ما فعله جيشه وأجهزته الأمنية. فكيف يكون رئيس الدولة حيثما قررت الإدارة الأمريكية في دولة أخرى مسؤولاً عن كل ما يرتكب من جرائم في عهده في حين لا يعتبر بوش ووزير دفاعه وقائد جيشه وصولاً إلى سانشيز وبريمر مسؤولين عن تلك المرحلة الممتدة من التعذيب؟! والأنكى أن معلومات كثيرة نشرت أخيراً حول تقارير مفصلة عن كل ما عبرت عنه الصور، تسلمها الجنرال سانشيز وبول بريمر ورفعاها إلى المسؤولين في واشنطن ، بما يصيب ليس رامسفيلد وبوش فقط، وإنما كونداليزا رايس وكولن باول وقبلهما بول وولفويتز نائب وزير الدفاع بالإضافة إلى مسؤوليتهما المباشرة. المهم أن الفضيحة المجلجلة التي تعصف بالإدارة جعلتها في الزاوية، وأسقطت كل هجماتها التي شنتها على البلدان العربية والإسلامية تحت دعوى الديمقراطية والإصلاح واحترام حقوق الانسان. وللأسف إنها بهذا توجه طعنة للذين بنوا حملتهم للديمقراطية والإصلاح بالاعتماد المباشر أو غير المباشر عليها. منير شفيق
المصدر: التجديد نشر في التجديد

