من سيارات الأجرة، التي تؤثت فضاءنا الطرقي بألوانها المختلفة، من لا تنعم بالراحة منذ خروجها من المصنع، لا تكاد تتوقف محركاتها إلى أن ترمى أجزاء في ساحة الخردة… تجد رجلا يجلس خلف المقود إذا تأملت وجهه تأكدت أن عينيه لم تأخذا نصيبهما الكافي من النوم. وقد يخطر ببالك أن هذا الصنف من الناس يتعمدون الإقلال من النوم حتى يتأتى لهم جمع أكبر قدر من المال، أو أنهم فقط يتجولون في الشوارع ليعودوا على متن سياراتهم بحصاد وفير…
لمعرفة حقيقة مهنة سائقي الطاكسيات وظروف عملهم، نزلنا إلى الشارع والتقينا بعضهم فحكوا لنا شيئا من معاناتهم اليومية… وجدنا رجالا تدور رؤوسهم مع دوران عجلات سياراتهم، يجوبون الطرقات في كل الاتجاهات، ويجلبون من كل جانب مشاكل بالجملة؛ فالزبناء (الركاب) أشكال وألوان، والازدحام في حركة المرور، ورجال الأمن… مهنة المشاكل والأرق شهاداتهم تكاد تتشابه إلى حد التماهي، منهم من وجد نفسه سائقا لسيارة أجرة قدرا، ومنهم من اضطر إلى الجلوس خلف المقود اضطرارا، دون أن يحسب أن الجلوس على هذا الكرسي لا تختفي تحته رزمة من المشاكل والمفاجآت، يكتشفها واحدة تلو الأخرى مع مرور الأيام. هذا الجلوس قد يرافق السائق إذا تعرض لمشكل، خصوصا إذا كان جسديا، إما بسبب حادث سير، أو اعتداء من قطاع الطرق، يحكي امبارك سائق طاكسي منذ أكثر من عشر سنوات: >أشتغل في سيارة عمي منذ أكثر من عشر سنوات، وكنت أرسل له نصيبه عند نهاية كل شهر في حسابه البنكي، وعندما تعرضت لاعتداء من قبل اللصوص، أرغمت على التوقف عن العمل لأكثر من ثلاثة أشهر، (وما عقلش علي عمي ولا مراتو)، ونزعوا مني أوراق الطاكسي، وحذروا السائق الذي كنت أعمل معه بالتناوب من تسليمي سيارة الأجرة، وعمي هذا له رتبة كبيرة في الدرك الملكي، وليس في حاجة ماسة إلى نقود سيارة الأجرةسائق سيارة الأجرة (ضايع)، وليست له أية حقوق، إن وازن بين المداخيل والمصاريف فهو من المحظوظين، فالتأمين باهظ (مليون سنتيم)، زد عليه الضريبة وقطع الغيار، فبمجرد أن تصلح قطعة غيار حتى تسقط قطعة أخرى في عطب، صاحب الطاكسي دائما مهمومالنقابيين ما نعمرش معاهم، كم سمعنا من الوعود ولم نر أي شيء للأسف. وتستفحل المشاكل بين السائقين، مثل عدم احترام الدور (النوبة)، يقول الطيب: >هي مشاكل ملازمة للسائقين من الصباح إلى آخر المساء، فبعض السائقين: >لا يحترمون دورهم، ف(الحشومي) يبتعد عن الوقوف في المحطات، أما ولد الناس فهذه المهنة لا تصلح لهإما (تشوف معانا)، أو (نقدموك مع الشاب)، وقلت لهم إن هذا هو الظلم بعينهفبعض السائقين، يقول محمد، يمارسون أسلوب التضليل ومحاولة تطويل المسافة لجمع أكبر قدر من الدراهمإذا عرف صاحب الطاكسي أنك (ولد البلاد)، فإنه يحذر من أن يتبع معك أسلوب المراوغة في شوارع تجهل أسرارها، وعلى العموم فإن لكل ميدان انتهازيوه الذين يدنسون سمعة الشرفاء فيهفي وقت قريب، كنت في إحدى الإدارات العمومية، وأردت أن استقل سيارة أجرة للعودة إلى منزلي، واعتقد صاحب الطاكسي أنني (براني)، وبدأ في اللف والدوران ليمر من الشوارع الممتلئة بالإشارات الضوئية، والمزدحمة، وعندما نبهته امتقع وجهه، ووقع في حرج شديد، وأقسمت له أن يمسك المبلغ المسجل في العداد، وأقسم هو بدوره ألا يأخذ ما هو مسجل، في محاولة لجبر الخطأ الذي وقع فيهيتمنى الراكب لو يصادفه يوميا للركوب معه< يقول محمد. أما عبد الصمد فإن له صولات وجولات مع سائقي سيارات الأجرة الصغيرة، ففي صيف قائظ في فاس ، بمجرد ركوبه سيارة الأجرة وهو يهم بفتح زجاج الباب، نهره السائق مطالبا إياه بإغلاق الزجاج، فما كان من السائق المسكين إلا أن يسمع رغما عنه درسا في آداب ركوب المواطنين لسيارات الأجرة. أما السيدة فتيحة فمن المشاكل التي تعترضها عدم تفهم بعض الراكبين للفتيات والنساء بصفة عامة، فإذا طلبت من أحدهم أن يسمح لها بالركوب مع امرأة أخرى في المقعد الأمامي، يرغد ويزبد، ولا يجد حرجا في نعتها ببعض الأوصاف محتجا بأن الطاكسي للجميع، وإذا ركبت بجانب أحدهم لا يتورع في أن يضايقها بذراعيه أو أرجله دون استحياء، ويستغل الفرصة لاختلاق اكتظاظ مصطنع. ويرى عبد الله أنه في بعض الأحيان يجد شخصا يريد فرض نفسه على الآخرين للركوب في المقعد الأمامي المخصص لاثنين، وبما أن الإنسان اجتماعي بطبعه، فحسب عبد الله يجب ألا ينسى أن المكان الجماعي مخصص للجميع، وما على الراكب إلا الصبر لأن الرحلة تكون قصيرة غالبا، وسرعان ما تنتهي. وبالتالي فليس من جدوى للشجار. العمل في رمضان ولكن هذه المشاكل بحسب سائق ظريف تبدو ملامح البشاشة على وجه ولباسه وطريقته في الكلام، تقل في رمضان، فالمساجد الممتلئة في هذا الشهر تؤدي رسالتها، وينعدم السكارى من الركاب في الليل. أما سائق سيارة أجرة من الحجم الصغير بحسب تجربته، فالعمل يقل في رمضان، ولا تبدأ الحركة إلا عندما تتوقف الحافلات عن التجول، إذ يضطر المواطنون إلى الركوب في سيارة الأجرة. أما الطيب فيرى أن العمل في رمضان قليل، مما يضطره إلى الرجوع فارغا، وإذا ما فضل أن يصله الدور، فإنه سينتظر ساعتين في المحطة من أجل عشرين درهما. بالنسبة لحمد الله، الذي كان منهمكا في مسح سيارته بمنديل، فيقول عن العمل في رمضان: (كل نهار ورزقو) مبديا سروره بتحسن الحركة في شهر رمضان. وبحسب الطيب، فإن المدخول اليومي يتراوح بين خمسين درهما، وثمانين درهما في أحسن الأحوال. ولم يفت حمد الله بعدما فرغ من تنظيف سيارته أن ينصح إخوانه بالتزام دعاء الركوب، وعند الخروج من المنزل، وأن يكون متوضئا أدى جميع ديونه التي له مع العباد ورب العباد، لأن الجرة لا تسلم كل مرة. عبد الغني بوضرة
المصدر: التجديد نشر في التجديد

