في افتتاحية ” التجديد” ليوم الإثنين 18 صفر 1424 عدد 636 “جهاد المفكرين” إشارة وتنبيه إلى مسألتين جديرتين بالاهتمام وتعميق البحث الأولى: وهي أن العدوان الأمريكي على العالم الإسلامي خصوصا هو ثمرة ونتيجة لفكر وديانة، وإن شئت أن تقول: إيديولوجيا فأنت عندما تتأمل في وجوه قيادات هؤلاء “العلوج” القادمين من وراء البحار للاعتداء والتخريب والقتل في أراضي المسلمين والعبث بثرواتهم ومآثرهم التاريخية يلح عليك مثل هذا السؤال: أي فكر يحمل هؤلاء وبأي عقيدة شحنت تلك الرؤوس؟ وأي ثقافة تقف خلف أسلحة الدمار؟ بالتأكيد أنه طريقة تفكيرهم ونظرتهم للعالم وللإسلام بشكل أخص.
والمسألة الثانية هي مسؤولية المفكر المسلم تجاه واقع أمته المحزن، والدور الإمامي الذي ينبغي أن يضطلع به أصحاب الرأي والفكر في تصويب مسار الأمة وأخذ المبادرة من الذين يلهثون وراء مصالحهم الشخصية الضيقة، فتكون النتيجة مزيدا من التردي والفساد والتخلف الذي يفتح الباب من جديد للاستعمار القادم من وراء البحار. وفي الوضع العراقي اليوم مبشرات بغد مشرق يتحمل فيه أصحاب الفكر والرأي دورهم الطبيعي في قيادة المجتمع، وهي جديرة بالتأمل والدراسة. فبعد دخول الأمريكان وسقوط نظام صدام وسيادة الفوضى والاضطراب، شعر أصحاب الرأي والفكر من علماء العراق ومثقفيه بمسؤوليتهم تجاه ربهم وبلدهم، فتحركوا لقيادة جماهير شعبهم الحائرة وتقليل مفاسد الذئاب الأمريكان الواقعة، ودرء أخطارهم المتوقعة وقمع مطامحهم الشريرة هم وأذنابهم من العملاء، وأذكر ثلاثة أمثلة ها هنا. الأول: هو العالم الجليل الدكتور أحمد الكبيسي الذي كان منفيا بالإمارات العربية أيام حكم صدام. عاد اليوم إلى بلده مترئسا جمعية العلماء المسلمين بالعراق متقدما الصفوف في الدعوة إلى طرد الاحتلال وأم الناس في أول صلاة جمعة في الزمن الأمريكي في العراق (يوم 18. 4. 2003)، حيث خطب خطبة مؤثرة في مسجد أبي حنيفة ببغداد اهتزت لها جماهير المصلين بالتكبير والتهليل، وكان من أهم ما دعا إليه، إنشاء مجلس إسلامي يتكون من علماء السنة والشيعة، تكون مهمته الإشراف على أي حكومة بإعطائها الولاء إن وافقت رأي العلماء أو نزع الولاء منها إن حادت عن تعاليم الإسلام، وتحريم التعامل معها بلزوم الناس بيوتهم. وأعتقد أن هذه الفكرة لو نجحت في العراق ستكون ضربة قاضية لأي حكومة عميلة للأمريكان، كما أنها ستكون صمام أمان ضد عودة الاستبداد مرة أخرى للعراق. وستضع علماء الدين في مكانهم الطبيعي في قيادة المجتمع. الثاني: هو الدكتور محسن عبد الحميد، الذي أعاد النشاط للحزب الإسلامي العراقي، وأصبح ناطقا رسميا باسمه. وقد قضى فترة في التدريس في الجامعة المغربية. وعاد اليوم إلى العراق لممارسة دوره الفكري الريادي في قيادة الأمة. الثالث: الحوزة العلمية، هذا مصطلح عند علماء الشيعة المقصود به المدارس الدينية التي يتخرج منها علماء الدين، وهي تقوم بدور قيادي عند الشيعة كلمتها مسموعة ورأيها مطاع، وقد برزت قائدة للمجتمع الشيعي في العراق في المحنة الأخيرة، وهي مرشحة لدور أكبر في مستقبل العراق وضد الوجود الأمريكي فيه. هذا بالإضافة إلى دور المساجد في العراق إذا قامت بتوجيه الناس إلى النظام والهدوء في زمن المحن والفتن. هكذا يكون دور الفكر والعلم في حفظ المجتمع من الانهيار وراء المفاسد الواقعة أو المتوقعة عليه. محمد الحذيفي خريج دار الحديث الحسنية
المصدر: التجديد نشر في التجديد

