متى يأتي اليوم الذي يرتفع فيه مستوى خطابنا السياسي والإعلامي عن السفاسف والسفاهات، ليكون مدرسة يومية لعامة المواطنين يتلقون فيها دروسا في النبل السياسي والإعلامي، والخلق الرفيع، حتى ولو كان الفرقاء السياسيون على طرفي نقيض، وبينهما سدود وحواجز تجعل التقارب والتفاهم مستحيلا أو صعبا. متى يحدث ذلك؟ لئن حدث لأصبح ذلك اليوم عيدا لأولنا وآخرنا وآية من الله. لئن حدث ستكون بلادنا قد قطعت شوطا بعيدا في الرشد السياسي، وتجاوزت سن المراهقة ومتاعب البلوغ النفسي والجسدي، وأصبح رجال السياسة والإعلام قادرين على تحمل تكاليف العمل السياسي الوطني.
مناسبة هذا التمني هو ماورد في “ربع كلمة” “بيان اليوم” الجريدة الناطقة باسم حزب التقدم والاشتراكية يوم الأربعاء الأخير تحت عنوان “الارتقاء إلى الوراءط. وإن كان هذا العنوان ينطبق على شيء فإنه ينطبق صدقا وعدلا على من كتبه. فالمغرب وقد تجاوز لأول مرة بعض سلوكيات عهود التزوير والتحكم السافر في الخريطة السياسية والعمليات الانتخابية، ودشن عهدا جديدا يسعى إلى طي الصفحات الخالية، هذا المغرب في حاجة إلى أن يخطو السياسيون فيه والإعلاميون وغيرهم خطوات كبيرة إلى الأمام، ويتركوا وراءهم ظهريا أساليب سافلة في الخصومة والهجاء تعيد الناس إلى عصور داحس والغبراء، وشعراء الجاهلية ومن شاكلهم. وفضلا عن الهفوات اللغوية التي لا تخلو منها ربع الكلمة تلك، فإن أسلوبها وتعبيرها موغل جدا في السفالة والسفاهة، وكان أولى بالمسؤولين في الجريدة المعنية أن ينزهوها عن هذا العبث والجنون. فمن مظاهر ذلك قول القائل وهو يتحدث عن نشأة أحد قياديي حزب العدالة والتنمية ” الملتحين في الزاوية، وارتمائه في أحضان الحركة الشعبية الدستورية، ليرتقي من الدوران حول مجمرة البخور إلى التوهان في دهاليز السياسة، ويتمضمض بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويصوغ على ضوء الفتاشة فتاوى سياسية يزعم أنها برنامج اقتصادي واجتماعي قابل للتنفيذ، إذا لم يضربه الحاسدون بالعين، ويرمه العلمانيون الجاحدون بنبالهم المسمومة للحد من تفرد اللحى بديماغوجية الدين الموجهة للأميين والعاطلين وكل من يقول آمين”. ومنها وصفه لفريق العدالة والتنمية بأنه طالفريق المفروم كلحم الضأن”، ومنها سخريته واستهزاؤه المتكرران من أول حرف إلى آخره. ربما كان صاحب المقال في حالة نفسية غير سوية وصعبة، والراجح أنه كذلك، إذ أن العنف اللفظي والشتائم والضغائن مؤشرات واضحة على ذلك. وربما كانت الأصفار والنتائج الهزيلة التي حصل عليها حزبه للتقدم والاشتراكية وسقوط أمينه العام في انتخابات السابع والعشرين من شتنبر الماضي لما توفرت مقادير معتبرة من النزاهة والشفافية، ربما كان هذا من أهم الدوافع الذاتية والموضوعية وراء هذا الهجوم اللفظي المتوحش. كنا دائما في جدالنا مع المخالفين والخصوم حريصين على أن نحتفظ بمسافة معتبرة عن السباب والشتائم والتفحش في القول، وما ذلك إلا لأن كلمات القرآن الكريم وأحاديث سيد المرسلين تلزمنا بذلك وتحثنا على الدفع بالتي هي أحسن بين الذي بيننا وبينه عداوة أو خلاف. ومن يدري قد تتحول العداوة والبغضاء إلى ولاء حميمي. وعندما اشتعلت المواجهات السياسية والإعلامية بيننا وبين الفرقاء السياسيين والإعلاميين في حزب الاتحاد الاشتراكي خضناها على مضض ودخلنا فيها ونحن لها كارهون، ولولا استمرار بعض الجهات الاتحادية في تصعيد المواجهة والانحراف بها عن مناطها الحقيقي، واتهام العدالة والتنمية والتوحيد والإصلاح لانخفضت درجة حرارة المعركة أو لربما توقفت. ومع ذلك كنا أحرص الناس على الالتزام بالآداب الخلافية وابتعدنا عن قول الزور والهجاء. وكذلك فعلنا مع قوم آخرين منهم المطبعون والإباحيون وغيرهم. لذلك نقول ونعيد القول إن هيئاتنا السياسية والإعلامية وغيرها مطالبة اليوم وغدا أن تتعالى في خلافاتها وخصوماتها عن السفالة والسفاهة، وأن تتحلى بشيء من النبل والخلق الرفيع لأن من شأن ذلك أن يرفع مصداقيتها لدى الرأي العام، فالمؤسسات السياسية المدنية هي قبل كل شيء مدارس تربوية للخاصة والعامة. أما الهجاء فقد ولى زمنه منذ أمد بعيد.
المصدر: التجديد نشر في التجديد

