تعاني الجالية المغربية مهاجرة في أوروبا وأمريكا، من مشاكل جمة، ومتاعب شديدة، وتتعرض في حاضرها وكذا مستقبلها إلى مخاطر كثيرة، ومحن عظيمة، فالموجات العنصرية في عتو وارتفاع، والانهيار الأخلاقي لأبناء الجالية في إطراد مستمر، والتخلف الاقتصادي واضح المعالم بين القسمات، والتمزق الاجتماعي بدأ يهدد بانهيار كيان الأسرة التي هي صمام الأمان لحفظ الأجيال الناشئة من الذوبان في المنظومة الغربية فكرا وثقافة وأخلاقا، والتراجع الدراسي لأبناء الجالية المغربية يكاد يكون هو القاعدة…
وما يظهر بين الحين والحين من وميض أمل أو بصيص ضياء، فإنما يدل فقط على أن هذه الجالية لم تمت نهائيا، وأن الحياة ما تزال تدب في أوصال جسدها المنهوك… وإن من أخطر ما تتعرض له هذه الجالية تلك الحملة التنصيرية الممنهجة والمركزة التي تواجهها في طريق عودتها كل سنة إلى المغرب، في الموانئ الإسبانية خاصة، والتي تأخذ في كل عام أنماطا جديدة وأشكالا متطورة. لقد تبين لكل ذي عينين أن المغرب الذي ظل محفوظا منذ الفتح الإسلامي حتى يومنا هذا من الصراعات المذهبية والنزاعات الطائفية والتيارات الدينية وما حدث أو يحدث في بعض الحقب التاريخية والأزمنة المختلفة كان الاستثناء الذي يؤكد القاعدة مستهدف من جماعات التنصير التي تجد وتجتهد في إيجاد موطئ قدم لها في أرض كانت خالصة للإسلام، وستبقى له خالصة بإذن الله تعالى، تصديقا لما أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة” وفي مسند أبي عوانة تصريح بلفظ: «أهل المغرب”. إن ما تتعرض له الجالية المغربية حتى دخولها من إسبانيا وخروجها إليها من استفزازات دينية ودعوة إلى النصرانية، وتوزيع الهدايا الملغومة من قبل القائمين بتلك الدعوة، لهو جزء من تلك الخطة المشؤومة الموضوعة لتنصير المغرب. وهي خطة قديمة جديدة تجب مواجهتها اليوم كما واجهها أباؤنا في الأيام الخالية، لقد اجتهد المسؤولون المغاربة وجدوا في تقديم المساعدات للجالية المغربية من أجل تسهيل عودتها إلى المغرب لقضاء عطلة الصيف، ولكن ذلك الجد بقي محصورا في بعض الخدمات المادية المجردة، والتي لا نقلل من شأنها وإن كنا لا نرضى عن الفلسفة التي تنطلق منها الحكومة في التعامل مع هذه الجالية، تلك الفلسفة التي تنبني على فكرة (أن الجالية بقرة حلوب، فليقدم لها ما تحتاج إليه من العلف والماء ليستمر در الحليب متواصلا!!!). إن أفراد الجالية هم مغاربة أحرار، رمت بهم الأقدار إلى هذه الأقطار، فبذلوا أغلى ما يملكون، وضحوا بأعز ما يجدون في سبيل إنقاذ أنفسهم وأهليهم من الفقر وذله، والحاجة وهوانها، وإن هذا الجهاد من نوع آخر يجب أن يكرم صاحبه وتحترم إنسانيته، لا أن ينظر إليه على أنه وسيلة استثمار أو ذريعة لجلب “العملة الصعبة”، إنه هو في الحقيقة تلك العملة الصعبة. إن العمل على حماية عقيدة أبناء الجالية أجدى وأبقى وأنفع في الآخرة والأولى، ولذلك فإن من أوجب الواجبات على الحكومة المغربية تجاه رعاياها في الخارج أن تقوم بدورها في هذا المجال وذلك ب: 1 بث الوعي الديني الرشيد في صفوف الجالية المغربية، تنظيم لقاءات وعقد ندوات وإعداد برامج حية وفاعلة بمختلف اللغات في وسائل الإعلام المختلفة، وبكل الطرق الممكنة، بعيدا عن الروتينية والخطابات الجافة الباردة، التي تزيد المرء بعدا عن الدين لا قربا منه. 2 إعداد طاقم من الدعاة الشباب ذوي الغيرة والجاذبية، وتزويدهم بحملة من الكتيبات والأشرطة التي تتحدث عن حقائق الإسلام الكبرى، ووضعهم في مقدمة مستقبلي الجالية ومودعيها، ليكونوا درعا واقيا من جيوش التنصير، ولقاحا مضادا لسموم المنصرين، إذ الوظيفة الأساسية للدولة في الإسلام كما قرر ذلك أئمة الفقه “حماية الدين وتدبير شؤون الدنيا”، وحماية الدين إنما تتم على الوجه الصحيح بحمايته في نفوس المتدينين، بجلب ما يقويه ودرء ما يوهنه أو يفسده. إن هذا أقل ما يجب في هذه المرحلة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. محمد أبو سلمان
المصدر: التجديد نشر في التجديد

