المقاطعة أسلوب فعال في المواجهات سواء كانت مواجهات بين الأفراد أو بين الجماعات والدول، ولذلك ما أن يحمى وطيس الخلاف ليصل إلى نقطة لا رجعة فيها، حتى يشهر سلاح المقاطعة، وربما تطور الأمر إلى حصار شامل. وذلك ما شهدته الأيام لخالية وما نشهده في أيامنا الحالية.
حينما أخذت الحمية الجاهلية الملأ الذين كفروا من زعماء قريش في مكة أيام فجر الدعوة الإسلامية، تنادوا إلى المقاطعة والحصار لوضع حد للجماعة “الإرهابية” الناشئة، التي كان يتزعمها النبي محمد عليه الصلاة والسلام، قوطع المسلمون المستضعفون وهم قلة في شعب من شعاب مكة ، فلا زواج ولا بيع ولا شراء. واشتد عليهم الأمر حتى أصيب الكثير منهم بعاهات وأمراض مستدامة، وبلغت الشدة بهم إلى درجة يصعب تصديقها اليوم، ومن صورها أن المسلمين الأوائل أكلوا أوراق الشجر وجلود الحيوانات اليابسة. وذهب أحدهم فيما يروي الرواة في إحدى الليالي ليتبول، فإذا به يكتشف أنه يتبول على جلد من جلود الحيوانات، وما أن انتهى من قضاء حاجته حتى أخذ قطعة الجلد، وغسلها غسلا جيدا بالماء ثم أكلها.مقاطعة حانقة قوبلت بمقاومة شجاعة صابرة إلى أن انتصرت الفئة القليلة على الفئة المستكبرة. ويعرف الناس اليوم أن الزعيم الهندي غاندي نصح قومه بمقاطعة الاستعمار الانجليزي الغاشم، مقاطعة انتهت بجلاء المستعمرين الظالمين، واستقلال دولة الهند.كما صار ظاهرامعروفا اليوم أن روما الجديدة أي الولايات المتحدة تشهر سلاح المقاطعة ضد دول تحسبها مارقة عن هيمنتها وجبروتها كالعراق وإيران وليبيا وكوبا وأفغانستان.. وغيرها. واليوم أيضا تعاني الشعوب المستضعفة وعلى رأسها الشعب الفلسطيني من حصار ظالم غاشم. حصار من شتى الأنواع بما فيه الحصار الإعلامي، فلا يعرف الناس حجم المعاناة والمصائب العظمى التي حلت به، ولا حقيقتها الكاملة، بل إن قوما ماهم بمسلمين ولا بعرب، ذهلوا وانفجروا في بكاء وصراخ طويلين عندما وقفوا بأعينهم على مذبحة جنين الفلسطينية، وبدأ أفراد وأحزاب ودول كثير في مقاطعة الكيان الصهيوني، ومقاطعة بضائعه وبضائع حاميته ومرضعته الولايات المتحدة . أفلا نكون أولى الناس باستعمال هذا السلاح الفعال في الحالتين، ونواجه القتلة الظالمة بنفس سلاحهم ونكون من المقاومين لحصارهم، المقاطعين لسلعهم ومنتوجاتهم. غير أن هذا النوع من المقاومة لن يوتي أكله إلا بمقاطعة أخرى هي المهاد والسند لكل مقاومة ومقاطعة، ألا وهي المقاومة الثقافية، فلا تنجح أي مقاومة ولا تفلح أي مقاطعة إلا بوضع حد لثقافة الاستهلاك القاتلة، وثقافة الانبهار الهدامة، لتقطع الحبل السري الذي يجعلنا عبيدا تابعين، وحميرا يركبها الطغاة، وقطيعا يسوقها الفراعنة.لن تنتصر أي مقاطعة ما لم تتحرر القلوب من مشاعر النقص والصغار،ومالم تمتلئ بمشاعر الاعتزاز بالذات والميراث الثقافي العظيم.فالنصر يبدأ داخلنا أولا.
المصدر: التجديد نشر في التجديد

