في الشهر الماضي حينما اجتاح الجيش الصهيوني مخيم جباليا، صعقت المدرسة سميرة أبو سمك حينما سمعت طفلة تبلغ من العمر ستة أعوام وهي تبحث عن قنبلة أو مسدس، وكانت تصرخ: “أريد أن أكون شهيدة”. ولم تجد المدرسة إلا القول للطفلة إن عليها الانتظار قليلا حتى تكبر، وحينها قد تكون الأوضاع أفضل. حكاية الطفلة تشير إلى وعي عام بالظاهرة الاستشهادية داخل فلسطين والتي حظيت بعدد كبير من التعليقات والكتابات والأفلام والوثائقية.
فهذه الظاهرة انتشرت في انتفاضة الأقصي بنفس الطريقة التي انتشرت الشعارات والكتابات الجدارية في الانتفاضة الأولى 1987. ففي الأولى تحولت الجدران الفلسطينية إلى صحف حائطية، ومراكز للبيانات والتوقيعات والرسائل التي تقوم كافة الفصائل الفلسطينية المشاركة في الانتفاضة بإرسالها إلى أعضائها. ولجأ الفلسطينيون للحائط، تماما كما لجأ الشهيد الفلسطيني عوض في ثورة عام 1936 لتسجيل آخر قصيدة شعبية له، تحولت لنشيد وطني عام، لكن فلسطينيي الانتفاضة الأولى لجأوا للجدار أيضا هربا من عين الرقيب الصهيوني، والتفافا على الجنود الذين كانوا يراقبون الزمن الفلسطيني . وفي الانتفاضة الحالية تحول الاستشهاديون الذين يضحون بأرواحهم في سبيل الاستقلال لعلامات عن الزمن الجديد الذين ينشده الفلسطينيون ، وهو تحقيق حلمهم بدولتهم واستقلالهم. وتنتشر صور الاستشهاديين في كل مكان، على الشوارع، صورهم تخرج من الجدران، شعاراتهم، كلماتهم، آخر القصائد التي أعلنوها قبل صعود أرواحهم إلى بارئها. وقد حيرت الظاهرة الاستشهادية الباحثين والمراقبين، وهذه الحيرة لا علاقة لها بأصولها التاريخية، وسياقاتها الثقافية، ولكن بكونها ظاهرة يومية، أصبحت جزءا من النضال الفلسطيني . في انتفاضة الأقصى انضمت النساء والفتيات اليها، فبعد الشهيدة وفاء إدريس انضمت قبل أسبوعين الاستشهادية الجديدة آيات الأخرس، الفتاة الربيعية الجميلة. وحظيت الظاهرة الاستشهادية حتى الآن بعدد من المقالات والأفلام الوثائقية. ففي الفيلم الذي بثته المحطة الثانية في هيئة الإذاعة البريطانية الأسبوع الماضي، قدمت إطارا للطريقة التي يقوم فيها الاستشهاديون بإعداد أنفسهم للخروج، ولكنها أيضا أعطت صورة عن تقبل اجتماعي وثقافي للظاهرة، على الرغم من قساوتها علي الأمهات. فقد قالت إحدى الأمهات من سكان غزة إنه من الصعوبة بمكان تلقي نبأ استشهاد الابن أو قرة العين. ولو كانت العائلة تعرف بمخططات أبنائها لقامت بمنعهم. ورغم فشل الفيلم في فهم جذور الظاهرة إلا أنه كان ناجحا في تقديم صورة عن الصدمة والأثر اللذين أحدثتهما الظاهرة الاستشهادية علي المجتمع الفلسطيني . وقد بدا هذا واضحا في الطفلة من خان يونس التي شاهدت دبابات صهيونية قريبة من بيتها، فقالت لأمها أريد أن أصبح استشهادية وحملت سكينا تريد الخروج لمقابلة الدبابات بها، لولا اندفاع الأم لمنعها. وقد استخدم البرنامج حكاية الفتاة الصغيرة هذه التي لا تتعدي الخامسة من عمرها كمثال عن الشكل الذي اتخذه الاستشهادي في الوعي الفلسطيني ، فقد أصبح المثال والنموذج الذي تحب الأجيال الجديدة تقليده والسير علي طريقه. وفي مقاربة جيدة نشرها ملحق التايمز لمراجعة الكتب تحدثت مقالة عن جذور الظاهرة الاستشهادية في التاريخ العربي المعاصر، وأصولها في التفكير الشيعي، كما تحدث عن أسس الظاهرة في أصولها الفلسطينية ، حيث كانت حماس أول حركة فلسطينية تقوم باستخدام هذا الشكل من أشكال المقاومة. بنفس الطريقة التي استخدمها حزب الله لإخراج المارينز الأمريكي من بيروت ولإجبار الجيش الصهيوني قبل عامين من الخروج من جنوب لبنان. والذي يحير المراقبين أن الظاهرة التي ارتبطت بالجماعات الدينية أصبحت الآن تجذب جماعات ذات أجندة علمانيه مثل كتائب الأقصى. وفوجيء المراقبون يوم الثلاثاء 8أبريل ببيان لمسيحيين فلسطينيين يعلنون تشكيل حركة مسيحية جديدة تضم شبانا وشابات مستعدين لتفجير أنفسهم بعمليات استشهادية. فما وحد الجماعات الفلسطينية حول فكرة الاستشهاد جاء من كونها أنجع وسيلة لإحداث أقصى الأضرار على العدو وأشدها ألما في النفس الصهيونية الحريصة على حياة. فكلفة القنبلة التي يحملها الاستشهادي لا تتعدى 150 دولارا، وتتبعها نفقات أخرى، مثل ملصقات الاستشهادي، وتسجيل رسالته الأخيرة. ومع حيرة الباحثين لتقديم تفسير عن الظاهرة إلا أنهم يجمعون أن الدافع الأساسي لها هو وجود الاحتلال الصهيوني، فاستمرار الاحتلال يظل المحرك الاساسي لدى الجميع الصغار والكبار للتضحية بأنفسهم من أجل الكرامة والحرية.
المصدر: التجديد نشر في التجديد

