كان لمناسبة 8 مارس العيد الأممي للنساء هذه السنة طعمها الخاص، لا نتحدث هنا عن “الفتح” الذي تحقق للنساء المغربيات من خلال العزم على تخصيص نصيب مفروض لهن في مقاعد مجلس النواب يبلغ ثلاثين مقعدا، فإن كثيرا من الملاحظين يبدون تخوفهم من أن يكون ذلك حلا ترقيعيا يعفي الأحزاب من مراجعة جوهرية تقوم أساسا على الإسهام الفعلي في تغيير الثقافة السائدة التي لا تزال تهيمن عليها تصورات ومشاعر تقوم على دونية النساء وهامشيتهن، ليس فقط عند الرجال بل عند النساء أيضا. ويضيف أولئك الملاحظون أن هذا الحل إنما كان مناسبة لشراء صمت النساء بثلاثين مقعدا في مجلس النواب، وقبلت النساء هذه المساومة التي أعفت الأحزاب من حل آخر لم تمتلك الجرأة السياسية لتبنيه، ألا وهو وضع عدد مقدر من النساء على رؤوس اللوائح.
الطعم الخاص الذي نقصده هو أن مناسبة 8 مارس لهذه السنة تزامنت مع سطوع نجم المرأة الفلسطينية وصمودها الباهر في وجه الآلة الإرهابية الشارونية، وتسطيرها لأروع نماذج الالتحام بالقضية المركزية للأمة العربية والإسلامية: قضية فلسطين ، حيث وقفت بجانب الرجل في ساحات المقاومة والفداء، بل ندا له وأحيانا كانت تسبقه إلى تلك الساحات. وظهر نموذج للمرأة العربية المسلمة غير تلك المرأة المشغولة بآخر صيحات الموضة، أو تلك التي تقضي أغلب أوقاتها في الحرص على زينتها ومكياجها وطلاء وتقليم أظافرها وصباغ شعرها… إلى غير ذلك من الاهتمامات الصغيرة التي تريد الثقافة الغربية الغازية أن تحشر النساء في زاويتها الضيقة والبئيسة. وظهر نموذج آخر للمرأة العربية، أي تلك المرأة العربية غير المتعلمة أو المثقفة، ولكنها المرأة التي تمتلك رغم ذلك وعيا حادا بقضية الأمة الأولى، والتي ما فتئت القنوات الفضائية تنقل إلينا نداءات وصرخات إدانتها للنظام العربي وللصمت العربي. إنها المرأة الفلسطينية التي تقف هذه الأيام كالجبل الراسخ الذي لم يزعزعه الإرهاب الشاروني بطائراته ودباباته ومتفجراته والتي تستقبل كل يوم بالأحضان والزغاريد وتوزيع حلوى الشهيد من أبنائها وإخوانها وأقاربها… وفي المغرب توجد رغم ذلك نساء من هذه الطينة. ففي عز اللغط عن الكوطا النسائية وعن ذلك “الفتح النسائي ” بمناسبة إقرار اللائحة الوطنية اتصلت بي واحدة من اللواتي لم ينتظرن “الكوطا” كي يكون لهن سبق نضالي في المجالات السياسية والحقوقية والثقافية والإعلامية…. كنت أحسب أن الاتصال ستكون له علاقة بالمناسبة بهموم بعض النساء المتحزبات هذه الأيام. اكتشفت أن المرأة كانت مكلومة بما حدث يوم الجمعة الأسود في فلسطين . كان صوتها على الطرف الآخر من الخط يختنق بالعبرات وهي تناشدني الله قائلة: >ما هذا الصمت الرهيب أيها الرجال؟ ما هذا العجز المهين أمام هذه المجازر في فلسطين؟ ما لنا لا نسمع لكم همسا ولا صوتا؟ بالله عليك بلغ رجائي هذا للمسؤولين والقياديين من الرجال؟ تذكرت ما كتبه أحد الزملاء عن نساء فلسطين تحت عنوان: هن رجال هذه الأمة. وانتبهت إلى أن المرأة الفلسطينية لم تنتظركوطة الرجال لكي يكون لها حضور على ساحة الجهاد. وتبين لي بوضوح الفرق الشاسع بين الكوطا النسائية والكوطا الجهادية. محمد يتيم
المصدر: التجديد نشر في التجديد

